كتاب

المثقف المسؤول.. في جمعية الثقافة والفنون

أحببتُ أنْ تكون هذه المقالة عن مهندس احتفاليَّة جمعيَّة الثقافة والفنون باليوم الوطنيِّ الـ95، الأستاذ محمد آل صبيح، أنموذج للمثقَّف المسؤول، أو المسؤول المثقَّف الذي يجيد التعامل مع المثقَّفين/ات، يجيد إدارة الحشود بشكلٍ أدهشنِي، كلَّما ذهبتُ إلى الجمعيَّة وجدتُها مكتظَّةً بالفنَّانين/ات والمثقَّفين/ات، والشَّباب/ات، يشرف على تصوير الفيلم الذي عُرض في الحفل، الحفل الذي جمع بين الصورة والكلمة لشخصيَّات ثقافيَّة وفنَّانين وشباب وشابات، والمقطوعات الغنائيَّة الوطنيَّة. رأيتُه يشرفُ على بروفات الكورال، تجهيزات المسرح، في حركة دائبة متَّصلة بالليل والنهار، يجيد جمع القلوب حوله، الجميع يعمل؛ لأنه يحب هذا الرجل، محمد آل صبيح.

لا تسمع صوته مرتفعًا، ولا تراه غاضبًا، فقط ابتسامة كبيرة تعلو وجهه وهو يتحرَّك بين مرافق الجمعيَّة، دون مكتب يجلس عليه، ويملي أوامره كما يفعل كثيرون، يظنُّونَ أنَّ الإدارة تكمن في المكتب الفخم الضخم، ومدير المكتب يقوم بكلِّ الأعمال، والسكرتير والموظَّفين.


حَوَّل المكتب في جمعيَّة الثقافة والفنون إلى قاعة استقبال فخمة أنيقة، يشاهد الضيوف خلال جلوسهم؛ فيلمًا عن الفعاليَّات التي أنجزتها الجمعيَّة، وأعمال الفنانين/ات التي تُزيِّن جدار الجمعيَّة.

يقدِّم كل الإمكانيَّات المتوفِّرة لديه لكلِّ مَن يرغب في تنظيم معرض، أو فعاليَّة، أو احتفاليَّة، لا يتركه دون حشد كلِّ مَن يعرفه لإعطاء زخمٍ حضوريٍّ للفعاليَّةِ أو المعرض.


منذ انطلاقة صالون الكلمة الثقافي في جمعيَّة الثقافة والفنون، ونحن لا نعرفُ كيف نقدِّم لهذا الرجل المثقَّف الإنسان، الشكر والامتنان.

هو ليس في حاجة لذلك، وهو أكبر من الكلمات؛ لأنَّه رجل الإنجازات، المسؤول المثقف الحقيقي الذي يُشعل أصابعه العشر شموعًا للثقافة والفن دون استعراض ودون ضجيج.

كنتُ دائمًا أتجاهل الدعوات التي تأتيني من المؤسسات الثقافيَّة والحكوميَّة؛ لأنَّها تفتقد الابتكار والإبداع إلَّا مَن رحم؛ ولأنَّ معظمها يصيبك بالملل؛ لكثرة الكلمات وتمطيطها دون إدخال شيء من المتعة في البرنامج العام، وكأنَّ الاحتفال تأبينيٌّ، لا حفل ابتهاج وفرح، لا أقصد احتفاليَّة بعينها، ولكن بشكل عام.

احتفاليَّة جمعيَّة الثقافة والفنون باليوم الوطنيِّ الـ95، فاقت كلَّ توقُّعاتي عن الاحتفاليَّات الرسميَّة التي تقيمها المؤسَّسات المختلفة، والتي لا تتجاوز الخطابات المملَّة لمسؤوليها، وبعض القصائد الوطنيَّة التي نظمت للظهور واعتلاء المنابر.

احتفاليَّة جمعيَّة الثقافة والفنون جمعت كل الفنون، والأنواع الأدبيَّة: القصيدة، الكلمات، المسرحيَّة، الموسيقى والغناء، الرقصات الفلكلوريَّة، والعرضة السعوديَّة، قدمت على مسرح الجمعيَّة في قاعة حسن شربتلي، في تنظيم وتناسق، دون إطالة مملَّة، أو اختصار مخلٍّ.

يوم الاثنين 22 سبتمبر 2025، لم يكن المكان هو ذاته الذي تركته بالأمس، ليلة واحدة لم تكتمل أربعة وعشرون ساعةً بين انتهاء أمسية صالون الكلمة على مسرح جمعيَّة الثقافة والفنون، وبين عودتي لحضور احتفاليَّة الجمعيَّة باليوم الوطني الـ95. كلُّ شيءٍ كان مختلفًا، المكان أُضيء بالبهجة والجمال، الساحة الخارجيَّة تحوَّلت من مساحة جرداء متربة إلى مساحة ارتدت أبهَى حلَّة.

فُرِشَت السَّاحة بالكامل أمام المبنى، يتصدَّر المساحة بيت الشَّعر التراثي، اهتمَّ بإقامته مدير الجمعيَّة سعادة الأستاذ محمد آل صبيح؛ ليضيف مكانًا تراثيًّا يستقطب الحضور في أمسيات جدَّة الربيعيَّة.هذا الرجل، أشفقتُ عليه، وأُعجبتُ بهِ - أرجو ألَّا تُؤخذ كلمة الإعجاب بمعاني في عقول ونفوس مريضة- إعجاب بالشخصيَّة والقدرة على العطاء، والتمكُّن من تحريك هذه الحشود بحرفيَّة. الإشفاق من شدَّة العمل، وامتداد ساعاته نهارًا وليلًا.

كلَّما ذهبتُ إلى الجمعيَّة؛ رأيتُ الجمعَّية ورشةَ عمل كبيرة. في المسرح: التدريب على العزف والغناء. في القاعة العلويَّة: تنظيم معرض فني. في المسرح -أيضًا-: تصوير الفيلم الذي سيُعرَض في الحفل.

شباب من كلِّ الأعمار، طالبات مدرسة تمكَّنتِ المديرةُ من إنشاء نادي وتر، بمساعدة ودعم محمد آل صبيح، تدريب الشباب على العرضة السعوديَّة، رغم ذلك، لم أكنْ أتصوَّر أنَّ الاحتفال سيكون بذلك الجمال والإبداع.

منذ الدخول إلى المبنى والساحة الخارجيَّة، أوَّل ما يُصافح عينيك الحضور الكثيف.. بهو الجمعيَّة غُطِّيت مساحة كاملة من إحدى جوانب الجدار بصور ملوك المملكة العربيَّة السعوديَّة، يتصدَّرها صورة الملك عبدالعزيز. في المدخل صورة شامخة بالحجم الطبيعيِّ لخادم الحرمين الشَّريفين. فنانون وفنانات يمارسون الرَّسم في رواق المبنى، استقطب أيضًا المبدعِينَ من ذوي الاحتياجات الخاصَّة.

حضرتِ الحفلَ صاحبةُ السموِّ الملكيِّ الأميرةُ مشاعل بنت مقرن بن عبدالعزيز.

الاستقبال على مدخل المسرح بالعرضة السعوديَّة غناءً ورقصًا.

كلمة الأستاذ محمد آل صبيح، التي بدأها ببيتَين من الشِّعر، مرتجلة، مع ذلك كانت قطعةً أدبيَّةً بليغةً تكشف عمق إمكاناته الأدبيَّة والخطابيَّة.

أوَّل مرَّة أشاهده متحدِّثًا، دائمًا أشاهده يعمل، ينتقل من غرفة لغرفة كالنَّحلة.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!