كتاب

حقيقة سور جُدة

انهالت في الفترة الأخيرة، كتاباتٌ تؤرِّخ لمدينة جُدَّة في أغلبها ليس لها منهجٌ تاريخيٌّ علميٌّ واضحٌ، بل كتابات يظنُّ مؤلِّفوها أنَّهم يكتبُونَ تاريخًا، وهي تمتلئُ بالأخطاء التاريخيَّة، وتفتقر للتوثيق الدَّقيق، فكل مصادرهم حكايات شعبيَّة، وأحاديث عامَّة ليس لها مستند. والمؤسف أنَّ بعضًا من المرشدِينَ السياحيِّينَ يُردِّدُونَ هذه المعلومات المغلوطة، وكأنَّها حقائق ثابتة.

من ذلك الحديث عن سور جُدَّة، فما يدُور يجعل إنشاء السُّور في القرن العاشر الهجريِّ السادس عشر الميلاديِّ 915هـ/1509م على يد حسين الكردي نائب حاكم جُدَّة بأمر من السلطان المملوكي قانصوه الغوري (قُتل عام 922هـ/ 1517م) وكأنَّه وُجد من عدم، بينما الحقيقة التاريخيَّة تؤكِّد أنَّ جُدَّة كان لها سورٌ منذ أزمنة قديمة، نالته عوامل التَّعرية والهدم، فأصبح في كثير من أجزائه ركامًا.


الرحالة الأندلسي محمد بن جبير، الذي زار جُدَّة في عام 579هـ/1183م يذكر في كتابه «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار»، الذي يُعرف بـ»رحلة ابن جبير»، عن أنَّه شاهد ركامًا لسور يُحيط بجُدَّة، بما يعني أنَّ السور كان موجودًا حتَّى قبل زمن زيارة ابن جبير لجُدَّة، وربما منذ نشأتها.

المؤرِّخ محمد بن إياس، وهو معاصر لزمن المماليك، وفي كتابه الموسوعيِّ (4) مجلَّدات، وقد عاصر فترة السلطان الغوري يقول عن بناء السور، وهو يتحدَّث عن الحملة المملوكيَّة التي أرسلها الغوري بقيادة حسين الكردي إلى الهند لقتال البرتغاليِّينَ عند حديثه عن أحداث عام 911هـ/1505م: «وعيَّن ثلاثة تجاريد (حملات)، واحدة إلى الهند؛ بسبب تعبُّث الفرنج (البرتغاليِّين) بسيَّاح الهند، وأرسل صحبتهم جماعة كثيرة من البنائِينَ والنجَّارينَ والفعلاء (العُمَّال)؛ بسبب تلك الأبراج التي أنشأها السلطان في جُدَّة وإنشاء السور». تواتر الأخبار في المصادر التاريخيَّة المعتمدة، تبيِّن أنَّ سور جُدَّة وجد منذ إنشائها، وأنَّه شهد عبرَ الأزمنة تطوُّراتٍ، وأنَّ ما قام به حسين الكردي بأمر السلطان الغوري، إنَّما كان إعادة بناء وتحصين الأجزاء الخربة من السور، وتقويته ببناء أبراج حماية، نُصبت عليها مدافع لردِّ أيِّ خطر قد يأتي لجُدَّة من قِبل البرتغاليِّين. فالتاريخ له مناهِجه ومدارسه، وليس كل مَن أمسك بالقلم له الحق في كتابته، إنْ لم يُجِدْ أدواته، ويتبع مناهِجه؛ ليكون تاريخًا دقيقًا وصادقًا، فالحكايات الشعبيَّة ليست سوى قصصٍ للتسلية، ولا يمكن أنْ تكون تاريخًا يُعتمد عليه.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة