كتاب

قبر حواء

يقعُ حاليًّا ضمنَ مقبرة «أمنا حوَّاء»، في حيِّ العماريَّة في منطقة وسط جدَّة، تحوَّل القبرُ مع الزَّمن إلى أسطورة تتداولها الأجيال جيلً بعد جيلٍ، وأنَّه موقع مبارك مستجاب فيه الدُّعاء. من ذلك ما رواه محمد علي مغربي في كتابه أعلام الحجاز» بقوله: «أدركتُ قبرَ السيِّدة حوَّاء أُم البشر بمدينة جدَّة في أوائل الأربعينيَّات من القرن الهجريِّ الماضي (الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي) ويدخل النَّاسُ والحجَّاجُ خاصَّة لزيارة أُمِّنا حوَّاء في الحجرة التي تعلوها القبَّة، وقد زُيِّنت بالستائر، ويطلق فيها البخور، ويتولَّى أحدُ المشايخ إدخال الحجَّاج وتلقينهم الدُّعاء للزِّيارة، ويتقاضى الشيخ المذكور من الزَّائرين النقودَ التي يدفعونها مكافأةً له».

كما تناولت قصَّة القبر عدَّة مصادر، لعلَّ من أكثرها إثارةً للجدل «تاريخ المستبصر» لابن المجاور، وهُو من أهل القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، الذي يُرجِع اسمَ المدينةِ إلى صاحبةِ القبر. وقال الرحَّالة الأندلسيُّ ابن جبير، ومؤرِّخ جدَّة عبدالقدوس الأنصاري: إنَّ القبر ليس للسيِّدة حوَّاء، وإنَّه مزعوم. ومؤرِّخ جدَّة في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي عبدالقادر ابن فرج، يرى أنَّ قبرَ حوَّاء حقيقة، وأنَّ له كرامات. وقد تناول ذكر القبر رحَّالة مسلمين وأجانب زارُوا جدَّة عبر قرون، بعضهم ينفي أنَّ القبرَ للسيِّدة حوَّاء، وآخرُون يؤكِّدُون أنَّه لها، وهي دلالة على مدى تغلغل أسطوريَّة حقيقة دفنِ السيِّدة حوَّاء -عليهَا السَّلامُ- في هذا المكان، ورسوخها، علمًا أنَّ هناك شبه توافق على عدم وجود مكان محدَّد للمكان الذي دُفنت فيه السيِّدة حوَّاء. فمصادر تاريخيَّة إسلاميَّة من أمثال تاريخ الطبري، وتاريخ ابن الأثير لا تتَّفق على المكان الذي دُفنت فيه السيِّدة حوَّاء، بل إنَّها تشير صراحةً إلى وجود اختلاف. فالطبري يذكر أنَّ حوَّاء تُوفِّيت بعد آدم -عليهِ السَّلامُ- بعامٍ، وأنَّها دُفِّنت إلى جوارهِ في غار في جبل أبي قبيس بمكَّة المكرَّمة وهو ما يؤكِّده ابن الأثير، حيث يذكر أنَّ حوَّاء عاشت بعد آدم -عليهمَا السَّلامُ- سنةً، ثم ماتتْ، فدُفنت مع زوجها في غار في جبل أبي قبيس. وقد تكون حقيقة وجود الأسطورة هنا، هو كما يشير باحثون إلى ما يُسمَّى بأسطورة المكان، في أنَّ العرب نسجُوا أساطير لهم حول أمكنة هي في أصلها قصور أو قبور، امتزجت فيها الحقيقة بالخيال امتزاجًا أنشأ نوعًا فريدًا من الحكايات الخرافيَّة. والقبر ليس سوى أسطورة اختلطت فيها الحقيقة بالخيال، فنسجت المروِّيات منها رسوخًا إيمانيًّا لدى العامَّة، أوصلها حدَّ القداسة، كما أشار إلى ذلك محمد علي مغربي في حديثه عن مشاهداتِهِ لممارسات الأهالي والحجَّاج الذين كانوا يتوافدُون على القبرِ.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة