كتاب

أُسطورية فضائل جدة

للأسطورةِ علاقةٌ بكتابة التَّاريخ؛ كونها تبقى حيَّةً، وترمزُ إلى قيمٍ إنسانيَّة خالدةٍ، فهي تمثِّل الثقافة الرَّاسخة في أذهان النَّاس، وفي وجدانِهِم. ورغمَ أنَّ للأسطورةِ صِلةً بالتَّاريخِ، تحتِّمُ الاستفادةَ من مادتِها. وتاريخ مدينةِ جدَّة شكَّلت بعض ملامحه حكايات، وخرافات، وأساطير، أصبحت مع الأيام، وكأنَّها حقائق، بل إنَّ بعضها رسخَ في الذهنيَّة المجتمعيَّة لأهالي جدَّة على أنَّها من الثَّوابت الحياتيَّة، التي تصل إلى حدِّ القداسة، كما في «فضائل جدَّة». نقلتْ مصادرُ تاريخيَّة ما وصفتهُ بفضائل جدَّة، مرجعةً ذلكَ إلى أحاديثَ نبويَّةٍ. المؤرِّخ المكيُّ جار الله بن فهد (تُوفِّي 954هـ/ 1547م) خصَّص رسالةً صغيرةً (5) صفحاتٍ بعنوان: «فضل جدَّة وأحوالها وقربها من مكَّة»، أورد فيها مرويَّات عن فضائل مدينة جدَّة. منها حديثٌ مرفوعٌ إلَى رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، يقولُ: «إنَّ الصَّلاةَ فِي جدَّة، بسبعة عشر ألفَ صلاةٍ»، يقول عنه ابن دهيش: إنَّه ضعيفٌ، وإنَّ الإمام أحمد بن حنبل قال عن راوي الحديث: إنَّه رَوَى أحاديثَ كذبٍ. وكرَّر نفس الأحاديث مؤرِّخ جدَّة في القرن 10هـ/ 16م عبدالقادر بن فرج، وقاضيها أحمد الحضراوي (تُوفِّي 1327هـ/ 1909م).

مثل هذه الرِّوايات بتحليل مضامينها، تبيِّن عدم معقوليَّتها ومبالغتها المُفرطة، هذا ناهيك أنَّ مضامينَها لا تتناسبُ مع المنطقِ، فجميعُنا نعرفُ فضلَ الصَّلاة في كلٍّ من مكَّة المكرَّمة، وهو مئة ألف صلاة، وفي مسجد رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- في المدينة المنوَّرة بألف صلاةٍ، وفي القُدس بخمسمئة صلاةٍ، كما هو ثابت عن رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فكيفَ يُعقل أنْ تكون الصَّلاة في جدَّة أفضلَ بآلاف المرَّات (17 ألفًا) عنها من المدينة المنوَّرة، والقُدس، وهما أشرفُ وأكثرُ فضلًا من جدَّة؟


هذه المرويَّات إنَّما هي ما يُوصف بالأسطورةِ المقدَّسة، ولها طابعٌ مقدَّسٌ، فصياغتها في هيئة رمزيَّة تُضفي عليها طابعًا سحريًّا قادرًا على تحفيز وقيادة المشاعر، وهي مرويَّات كما يصفها الإمامُ الشوكاني (تُوفِّي 1173هـ- 1831م) في كتابِهِ، «الفوائد المجموعة في الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة»: تساهل المؤرِّخُونَ في ذكر الأحاديثِ الباطلةِ في فضائلِ البلدانِ، ولا سيَّما بلدانهم غاية التَّساهل، ويذكرُونَ الموضوع، ولا ينهونَ عنهُ. المرويَّات عن فضائل مدينة جدَّة ليست سوى حكاياتٍ أسطوريَّةٍ تتعلَّق بتجارب سكَّانها، حرصُوا على الاحتفاظ بها، وتناقلها بالرِّواية الشفهيَّة عبر الأجيال، فصارت من أحد أنواع وفنون التُّراث الشعبيِّ لمدينتِهِم.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة