كتاب

معرض الكِتَاب.. ورائحة الكُتب

تُعيق الإنسانَ -أحيانًا- عن ممارسة نشاطٍ، أو خوض تجربةٍ مهمَّةٍ، مخاوفُ قد لا تكون حقيقيَّةً، بل هي مجرَّد أوهام في ذهنه. لكنَّه يفوِّت كثيرًا من المتعة والمنفعة، إذا استجاب لها وتركها تهيمنُ عليه.

عندما ينتصرُ الإنسانُ على مخاوفِهِ، ويستجيب لرغبته، ويتبع شغفه، يجد أنَّ كلَّ تلك المخاوف لم تكن سوى أوهامٍ كادت تحرمه متعة حضور مناسبة، أو ممارسة نشاط، أو تلبية دعوة.


منذ عامين، عندما ذهبتُ إلى معرض الكِتَاب في جدَّة، أرهقنِي الوصول إلى المعرض؛ بسبب التحويلات الكثيرة، ثمَّ الوقوف بعيدًا جدًّا عن المدخل، وصعوبة الخروج بحمل الكُتب.

العام الماضي، تردَّدتُ كثيرًا، ولم أذهبْ، لكن هذا العام، دفعنِي شغفي باقتناء الكُتب؛ إلى الذهاب رغم مخاوفِي من معوِّقات الوصول.


المفاجأة أنَّه عندما وصلتُ لم يكن الأمر بتلك الصعوبة، بل كان في غاية السَّلاسة والسُّهولة، إذ وجدتُ سيَّارتي أمامَ إحدى البوابات الكثيرة المحيطة بالمبنى، المُقام فيه معرض الكِتَاب «جدَّة دوم»، المبنى الدَّائري الذي يُعدُّ تحفةً فنيَّةً بلا أعمدةٍ تعيق الحركة، أو تنسيق الفعاليَّات، كما أنَّ المداخل المتعدِّدة تُقلِّل الازدحام خلال الفعاليَّات الجماهيريَّة، كمعرض الكتَاب.

عندما وقفتُ أمام البوابة، لم أكنْ أعلم بوجود حجز التذاكر المجانيَّة عبر الإنترنت، مع ذلك وجدتُ ترحيبًا من الشَّباب خارج المبنى وداخله، وقد يسَّروا لي الأمر بكلِّ ترحابٍ ولُطف؛ ممَّا أخجلني من تردُّدي السَّابق، ومخاوفي المعيقة، وأوهامي التي حرمتني حضور معرض الكتاب في جدَّة العام الماضي.

عندما دخلتُ وشاهدتُ منظرَ الأجنحة، توقَّفتُ لأملأ رئتيَّ برائحة الكُتب، وشعرتُ بسعادةٍ كطفلٍ يجد نفسه داخل مدينة ألعاب، يُدهشه المكان والازدحام، ثمَّ يركض بين الألعاب لا يعرف من أين يبدأ؟.

كانت لديَّ قائمة طويلة من الكُتب التي أبحثُ عنها، فتجاهلتُ في البداية اللَّوحات الإلكترونيَّة التي تيسِّر عمليَّة البحث عن الكتاب والمكتبة، وموقعهما بدقَّة من خلال الأرقام والرموز التي تُسهِّل السَّعي وتُوفِّر الجهد. ومع ذلك، فضَّلتُ أنْ أبدأ جولتي بالتنقُّل بين المكتبات؛ لاكتشاف الإصدارات الجديدة، والتعرُّف على المؤلِّفِينَ السعوديِّين الذين تنوَّعت أعمالهم بين الأدب والفكر، وتطوير الذَّات.

أسعدني كثيرًا أنْ ألتقي بعددٍ من المعارف أثناء تجوالي بين المسارات المختلفة، وسط المكتبات.

عندما شعرتُ بالتَّعب من البحث عن بعض الكُتب، توجَّهتُ إلى الشَّاشة الإلكترونيَّة، حيث يقف شاب خلوق ساعدني في البحث عن الكتب المطلوبة، وتأكَّد من أنَّني دوَّنت الرَّقم والرَّمز الصحيحين، بل ووجَّهني أيضًا إلى الاتجاه المناسب.

توقفتُ طويلًا عند بوث دارة الملك عبدالعزيز الوطنيَّة، التي تزخر بالكُتب العلميَّة والتاريخيَّة والوثائق، واقتنيتُ منها: «المختارات من صحيفة أُمِّ القُرَى» بجزءيه، و»الحج إلى مكَّة والكوليرا بالحجاز»، و»تاريخ ذكرى اليوم الوطنيِّ للمملكة العربيَّة السعوديَّة»، و»الطَّائف في كتابات الرحَّالة الغربيِّين»، بالإضافة إلى عدد من مؤلَّفات الدَّارة.

كما جمعتُ عددًا من الرِّوايات لكُتَّاب عرب وسعوديِّين، وحصلتُ أيضًا على كتاب «في أفياء البيان القرآنيِّ» للدكتورة خديجة الصبان، الذي يُوزَّع مجانًا، وكُتب الكاتب والنَّاقد حامد الشريف «كُن مُبدعًا»، ورواية «قلوب قاتلة».

لا أدري هل سيتَّسع العمر لقراءة كل هذه الكُتب، إضافةً إلى الكُتب الجديدة التي تملأ مكتبتِي وتبقى في قائمة التَّأجيل المستمر، خاصَّةً بعدما انخفضت قدرتِي على القراءة، أو لعلَّها حجَّة أتذرَّع بها أمام انشغالِي بوسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، رغم أنِّي لستُ نشيطةً فيها، وأمرُّ عليها مرورَ الكرام، إلَّا إذا استوقفتنِي مادة تستحقُّ القراءة.

حقًّا، جاء معرض كتاب جدة هذا العام في أجمل وأرقى صورة، فعمليات التطوير والتعديل المستمرة منذ سنوات، التي تشرف عليها وزارة الثقافة، أوصلت المعرض إلى هذا النموذج المتكامل في خدماته وإمكاناته، ليُقدِّم أفضل الممارسات التي تُسهِّل للجمهور الوصول دون فوضى أو ازدحام، بل في سلاسةٍ وراحةٍ ومتعةِ التجوُّل بين خيارات متعدِّدة؛ تُرضي جميع الأذواق والأعمار.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»