كتاب

مقالٌ في الإنسان

شخصيَّة الإنسان بشكلٍ عامٍّ متناقضة، ومزيج من الخير والشر، والحكمة والسَّفه، والترفُّع والتسفُّل؛ فهو يتقمَّص شخصيَّته بحسب قوة الإيحاء المجتمعيِّ، ومدى تأثُّره بالعدوى النفسيَّة. «إنَّ الإنسان قادر على أنْ يرعى في روحه أسمَى المُثل، إلى جانب أحط الدناءات، وكل ذلك عن صدقٍ خالصٍ».. قول منسوب لـ(دوستويفسكي).

الحياة المشتركة بين بني البشر، لا تخلو من السُّميَّة والضَّرر، والسَّبب أنَّ الإنسان لديه رغبة دفينة في التسلُّط، والالتهام، وحب استعباد الآخرِينَ. الإنسان حيوانٌ مُهذَّبٌ، وحشٌ مُقنَّعٌ؛ يُمكنه -إنْ أرادَ- أنْ يتنافس مع الشيطان نفسه، ما دام قادرًا على شراء حُلَّة مَلَكٍ!.


فالإنسان ليس كائنًا أخلاقيًّا أو اجتماعيًّا بالمعنى المتداول، بل كائنٌ نفعيٌّ بامتياز؛ يتصرَّف ضمن إطار فائدته ومصلحته الشخصيَّة. وأخلاقه متغيِّرة مرتبطة بمدى حصوله على مكاسب وعوائد وفوائد شخصيَّة، وهو كائنٌ تبريريٌّ؛ يحتاج نفسيًّا إلى تبرير أفعاله؛ كي يشعر بالتميُّز وارتياح الضمير، وهو لا يتوانى عن استخدام الدِّين ذريعةً لأعماله غير الإنسانيَّة وأغراضه الشخصيَّة ومصالحه الدنيويَّة وأفعاله اللاأخلاقيَّة. يرى (كارل يونغ) أنَّ الإنسان أصل كل الشرور، وهو يقول: «إنَّ الخطر الوحيد الحقيقيَّ هو الإنسان نفسه.. ونحن نكاد لا نعرف عنه شيئًا».

ومن هنا، فالإنسان كائنٌ راغبٌ يبحث دومًا عمَّا ينقصه، وكلَّما وجد شيئًا، بحث عن آخرَ؛ وهكذا تصبح حياته سعيًا مستمرًّا يحفِّزه المَلَل والأمل والألم. لذلك فالسعادة لدى الإنسان مجرَّد لحظات عابرة غير مستقرَّة. توجد حالتان تُعبِّران عن شقاء الإنسان في هذه الدنيا: الأسى على ما مضى (النَّدم.. الحَنين)، والأمل فيما سيأتي (شقاء الوهم)!.


وفي المستوى الأعمق، فالإنسان مشروع مستمر لصنع معنى من نتاج حريَّته ومسؤوليَّته عن فعله. إنَّه وحيد في شأنه؛ لأنَّه يجد نفسه أمام اختيارات كثيرة، تنتج عن وعي وتجارب كثيرة لا تنتهي إلَّا عند الموت. لكنَّه يموت حين يفقد المعنى لحياته.. يموت من اللا جدوى.

يفقد الإنسانُ السعادةَ عندما يفقد أغلى ما يملك: قدرته على الحُبِّ. ترَى روح (دوستويفسكي) أنَّ الإنسان إذا فَقَدَ قدرته على أنْ يتألَّم من أجل الآخرِينَ، فإنَّه يفقد إنسانيَّته؛ فالرَّحمة هي ما يُميِّزه عن القسوة التي تملأ هذا العالم، وهي التي تمنحه إمكان تجاوز وحشيَّته، وتفتح له -رغم كل شيء- نافذةً صغيرةً على الخلاص.

أخبار ذات صلة

ملهي بن سلامة (ابن الوطن البار)
السعودية وديناميكية الاستثمار وتبادل المصالح
غراس السنين في ينابيع الوفاء
إلى المعلم.. في بداية عام دراسي جديد
;
بصمة إبداع سعودية.. تستثمر في العقول والقلوب
بين قلق الموت.. ورعب تكرار الحياة
الجامعة الريادية.. عندما تصنع المعرفة فرصًا
عبدالله التعزي
;
أمير الماء
الموظف الحكومي.. وجهان متناقضان!!
المنكوب..!!
النسخة الاستثنائية
;
المستفيد من العمل الخيري.. باذله
الحربي هو الحل
حين تتعلم الآلة التفكير.. ماذا يبقى للإنسان؟
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل (3)