كتاب
عفَّت خوقير.. وذاكرة المرض
تاريخ النشر: 24 ديسمبر 2025 00:01 KSA
لا أحدَ يرغبُ في استحضار ذاكرته، بتفاصيل تلك المرحلةِ العصيبةِ التي مرَّ بها العالمُ؛ لأنَّها تسبَّبت في إصابة وهلاك ملايين البشر حول العالم، كمَا خسر ملايين آخرُونَ وظائفَهم، أو أعمالَهم التجاريَّة، وتوقَّفت عجلةُ الحياةِ بكلِّ تفاصيلها.
تلك الذِّكرى الأليمة لوباء كوفيد-19، ربَّما نتحرَّجُ من الحديث عنها، يقولُونَ: «لا تذكر العفريت يطلع لك»، لكنَّ «ذاكرة المرض»، كتابٌ حديثٌ لأستاذةِ الأدب الإنجليزيِّ، النَّاقدة والمُترجمة، الدكتورة عفَّت جميل خوقير، يأخذك في رحلةٍ ممتعةٍ عبرَ الزَّمن والتَّاريخ والإنسان، لا تملُّ قراءَتُه بأسلوبٍ رشيقٍ رقيقٍ، يعكسُ رقَّةَ وشخصيَّةَ الكاتبةِ، بلغةٍ أدبيَّةٍ خالصةٍ -عرضًا وأسلوبًا- فتقرأ دونَ مَللٍ، ودون أنْ تمرَّ بك ذكرى أليمة؛ لأنَّك تقرأ معاناة البشر، في ظلِّ أحوال معيشيَّةٍ متدنيَّةٍ وإمكانيَّات صحيَّة بدائيَّة. رغم ذلك، لا تشعرُ بالاستياءِ أو النفورِ من الكتاب، فهو دراسةٌ مقارنةٌ حول «الوباء والجوائح في التراث الإنسانيِّ».
منهجيَّةُ الكتاب تاريخيَّةٌ مقارنةٌ، تسعَى لتحليل روايتَي: «سنة الطاعون» للكاتب الإنجليزيِّ دانيال ديفو (١٧٧٢م)، و»الطاعون» للفرنسيِّ ألبير كامو (١٩٤٧م). وهما من أهم ما أُنتِج أدبيًّا عن الأوبئة.
«ذاكرة المرض» كتابٌ مختلفٌ، لا يشبه الكتب التي صدرت عن وباء كوفيد-19؛ فبعضُ مَن كَتَبَ عن الوباء، استغلَّ فترة الإغلاق الكليِّ، والحَجْرِ، ومساحةَ الفراغِ لكتابة تجربتِهِ، خلال انتشار وباء كوفيد-19 عام ٢٠٢٠م.
يقدّم كتابُ «ذاكرة المرض» قراءةً فاحصةً لمعرفة تاريخ الأوبئة، التي أصابت جزءًا أو أجزاءً من العالم، من خلال كتابَي ديفو، وكامو، باعتبارهما سجلَّينِ تاريخيَّينِ لأحوال البلاد والعباد إبَّان اجتياح الأوبئة والأمراض.
ويقدِّم الكتابُ في الوقت ذاته، مقارنةً بين ما جرى في زمن الرِّوايتَين؛ وما جرى إبَّان الاجتياح الكوفيديِّ للعالم، وانتشاره كالنَّار في الهشيم، كما حدث خلال كوفيد-19 عام ٢٠٢٠م.
يتبنَّى الكتابُ نظريَّةَ «الصُدَف المعنويَّة»، والتي يندرجُ تحتها مفهومان: «توازي الأحداث»، و»التآزر الإنساني»، وبذلك يستنبط روابط معنويَّة وإنسانيَّة وتاريخيَّة ومنطقيَّة تقوم بين جميع الأحداث التي يتناولها البحث.
جاء الكتاب في خمسة فصول وملحق:
الفصل الأول: مراجعة أدبيَّة لما أُنتِج أدبيًّا عن المرض.
الفصل الثاني: يقدِّم للقارئِ موجزًا عن روايتَي «الطاعون»، و»سنة الطاعون»، وعن ذاكرة المرض.
الفصل الثالث: يمثِّل لبَّ الكتاب، حيث يستعرض كوفيد-19؛ بغرض المقارنة بينه وبين أحداث الرِّوايتَين.
الفصل الرابع: يناقش كيف أُسدل السِّتار عن المرض في الروايتَينِ، وفي عصرنا إبَّان اجتياح وباء كوفيد-19.
الفصل الخامس: خاتمةُ الكتاب.
تقول خوقير: لم يكنْ البحثُ بالنسبة لي حالةً علميَّةً بحتَّةً وحسبْ، بل مثَّل حالةَ ترويحٍ عن النَّفس بشكل منهجيٍّ؛ تفضي إلى حقيقةٍ إنسانيَّةٍ مهمَّةٍ وهي: أنَّ الإنسانَ قادرٌ على ألَّا يستسلم للهزيمة واليأس، وأنَّ المعاناةَ قدرٌ بشريٌّ يمكنُ أن ينبثق عنها عطاءٌ فكريٌّ ووجدانيٌّ.
هذا ما حدث مع الإصدارات العديدة في السعوديَّة فقط، عن تجربة كوفيد-19؛ بعضها روايات، وبعضها الآخر مقالات. أذكرُ منها رواية «سيرة حمى» لخالد اليوسف، و»محنة كورو» لرغد السهيل، و»مائدة كورونا» لعلي حسين، و»الخوف والحذر.. أيام لا تُنسى» لعدنان صعيدي.
توضِّح خوقير معنى كلمة الجائحة؛ بأنَّها تعني جميع النَّاس.
هل من المناسب تذكير الناس بتلك المرحلة الصعبة التي توقفت فيها الحياة، وفقدت فيها الأرواح والوظائف؟ أم أن ما حدث لا يزال جاثمًا على الصدور؟ لذلك تأتي الكتابةُ لمعرفة الأحداث مجتمعةً، والتجارب الإنسانيَّة ومقارنتها بأحداثٍ مماثلةٍ حدثت في أزمان أُخْرى؛ بنفس الفتك، وربما أسوأ؛ لأنَّ الإمكانيَّات في تلك الأزمنة لم تكن مثل إمكانياتنا في الألفيَّة الثالثة، حيث تطوَّرت أفكارُنَا وتقنياتُنَا، ووسائل الوقاية والعلاج.
تشير خوقير إلى أنَّ من طبيعة الجوائح والأوبئة، أنَّها تفاجئ النَّاس بغتةً، لذلك نراهم يتخبَّطُون في التَّعامل معها، خاصَّةً في بداياتها. وتتراوح مواقفُ عامَّة النَّاس عادةً بين الإنكار، والاستجابة؛ قسمٌ كبيرٌ منهم ستخف بحجم المصيبة، فلا يعيرُوها اهتمامًا، ويقاوم الاستجابة للتدابير الوقائيَّة التي تتطلَّب منه تغيير أساليب حياته، ثمَّ إذا أمعن بهم المرض فتكًا، يدركُونَ حجم ما حلَّ بهم، فيصبحُونَ أكثر تقبُّلًا وخضوعًا وواقعيَّةً، فيتغيَّر سلوكهم.
هذا ما حدث حقيقةً خلال جائحة كوفيد-19، لكنَّ القرارات الحازمة، ألزمت الجميعَ بالتمسُّك بوسائل الوقاية، والإسراع لتلقِّي جرعات التَّطعيم.
شكرًا بروفيسورة عفَّت خوقير، على الإهداء، والكتاب الممتع سردًا ولغةً وموضوعًا.
تلك الذِّكرى الأليمة لوباء كوفيد-19، ربَّما نتحرَّجُ من الحديث عنها، يقولُونَ: «لا تذكر العفريت يطلع لك»، لكنَّ «ذاكرة المرض»، كتابٌ حديثٌ لأستاذةِ الأدب الإنجليزيِّ، النَّاقدة والمُترجمة، الدكتورة عفَّت جميل خوقير، يأخذك في رحلةٍ ممتعةٍ عبرَ الزَّمن والتَّاريخ والإنسان، لا تملُّ قراءَتُه بأسلوبٍ رشيقٍ رقيقٍ، يعكسُ رقَّةَ وشخصيَّةَ الكاتبةِ، بلغةٍ أدبيَّةٍ خالصةٍ -عرضًا وأسلوبًا- فتقرأ دونَ مَللٍ، ودون أنْ تمرَّ بك ذكرى أليمة؛ لأنَّك تقرأ معاناة البشر، في ظلِّ أحوال معيشيَّةٍ متدنيَّةٍ وإمكانيَّات صحيَّة بدائيَّة. رغم ذلك، لا تشعرُ بالاستياءِ أو النفورِ من الكتاب، فهو دراسةٌ مقارنةٌ حول «الوباء والجوائح في التراث الإنسانيِّ».
منهجيَّةُ الكتاب تاريخيَّةٌ مقارنةٌ، تسعَى لتحليل روايتَي: «سنة الطاعون» للكاتب الإنجليزيِّ دانيال ديفو (١٧٧٢م)، و»الطاعون» للفرنسيِّ ألبير كامو (١٩٤٧م). وهما من أهم ما أُنتِج أدبيًّا عن الأوبئة.
«ذاكرة المرض» كتابٌ مختلفٌ، لا يشبه الكتب التي صدرت عن وباء كوفيد-19؛ فبعضُ مَن كَتَبَ عن الوباء، استغلَّ فترة الإغلاق الكليِّ، والحَجْرِ، ومساحةَ الفراغِ لكتابة تجربتِهِ، خلال انتشار وباء كوفيد-19 عام ٢٠٢٠م.
يقدّم كتابُ «ذاكرة المرض» قراءةً فاحصةً لمعرفة تاريخ الأوبئة، التي أصابت جزءًا أو أجزاءً من العالم، من خلال كتابَي ديفو، وكامو، باعتبارهما سجلَّينِ تاريخيَّينِ لأحوال البلاد والعباد إبَّان اجتياح الأوبئة والأمراض.
ويقدِّم الكتابُ في الوقت ذاته، مقارنةً بين ما جرى في زمن الرِّوايتَين؛ وما جرى إبَّان الاجتياح الكوفيديِّ للعالم، وانتشاره كالنَّار في الهشيم، كما حدث خلال كوفيد-19 عام ٢٠٢٠م.
يتبنَّى الكتابُ نظريَّةَ «الصُدَف المعنويَّة»، والتي يندرجُ تحتها مفهومان: «توازي الأحداث»، و»التآزر الإنساني»، وبذلك يستنبط روابط معنويَّة وإنسانيَّة وتاريخيَّة ومنطقيَّة تقوم بين جميع الأحداث التي يتناولها البحث.
جاء الكتاب في خمسة فصول وملحق:
الفصل الأول: مراجعة أدبيَّة لما أُنتِج أدبيًّا عن المرض.
الفصل الثاني: يقدِّم للقارئِ موجزًا عن روايتَي «الطاعون»، و»سنة الطاعون»، وعن ذاكرة المرض.
الفصل الثالث: يمثِّل لبَّ الكتاب، حيث يستعرض كوفيد-19؛ بغرض المقارنة بينه وبين أحداث الرِّوايتَين.
الفصل الرابع: يناقش كيف أُسدل السِّتار عن المرض في الروايتَينِ، وفي عصرنا إبَّان اجتياح وباء كوفيد-19.
الفصل الخامس: خاتمةُ الكتاب.
تقول خوقير: لم يكنْ البحثُ بالنسبة لي حالةً علميَّةً بحتَّةً وحسبْ، بل مثَّل حالةَ ترويحٍ عن النَّفس بشكل منهجيٍّ؛ تفضي إلى حقيقةٍ إنسانيَّةٍ مهمَّةٍ وهي: أنَّ الإنسانَ قادرٌ على ألَّا يستسلم للهزيمة واليأس، وأنَّ المعاناةَ قدرٌ بشريٌّ يمكنُ أن ينبثق عنها عطاءٌ فكريٌّ ووجدانيٌّ.
هذا ما حدث مع الإصدارات العديدة في السعوديَّة فقط، عن تجربة كوفيد-19؛ بعضها روايات، وبعضها الآخر مقالات. أذكرُ منها رواية «سيرة حمى» لخالد اليوسف، و»محنة كورو» لرغد السهيل، و»مائدة كورونا» لعلي حسين، و»الخوف والحذر.. أيام لا تُنسى» لعدنان صعيدي.
توضِّح خوقير معنى كلمة الجائحة؛ بأنَّها تعني جميع النَّاس.
هل من المناسب تذكير الناس بتلك المرحلة الصعبة التي توقفت فيها الحياة، وفقدت فيها الأرواح والوظائف؟ أم أن ما حدث لا يزال جاثمًا على الصدور؟ لذلك تأتي الكتابةُ لمعرفة الأحداث مجتمعةً، والتجارب الإنسانيَّة ومقارنتها بأحداثٍ مماثلةٍ حدثت في أزمان أُخْرى؛ بنفس الفتك، وربما أسوأ؛ لأنَّ الإمكانيَّات في تلك الأزمنة لم تكن مثل إمكانياتنا في الألفيَّة الثالثة، حيث تطوَّرت أفكارُنَا وتقنياتُنَا، ووسائل الوقاية والعلاج.
تشير خوقير إلى أنَّ من طبيعة الجوائح والأوبئة، أنَّها تفاجئ النَّاس بغتةً، لذلك نراهم يتخبَّطُون في التَّعامل معها، خاصَّةً في بداياتها. وتتراوح مواقفُ عامَّة النَّاس عادةً بين الإنكار، والاستجابة؛ قسمٌ كبيرٌ منهم ستخف بحجم المصيبة، فلا يعيرُوها اهتمامًا، ويقاوم الاستجابة للتدابير الوقائيَّة التي تتطلَّب منه تغيير أساليب حياته، ثمَّ إذا أمعن بهم المرض فتكًا، يدركُونَ حجم ما حلَّ بهم، فيصبحُونَ أكثر تقبُّلًا وخضوعًا وواقعيَّةً، فيتغيَّر سلوكهم.
هذا ما حدث حقيقةً خلال جائحة كوفيد-19، لكنَّ القرارات الحازمة، ألزمت الجميعَ بالتمسُّك بوسائل الوقاية، والإسراع لتلقِّي جرعات التَّطعيم.
شكرًا بروفيسورة عفَّت خوقير، على الإهداء، والكتاب الممتع سردًا ولغةً وموضوعًا.