كتاب

الشونة

وأخيرًا اقتنع الإخوةُ في «برنامج جدَّة التاريخيَّة» بأنَّ الموقع الموجود في جنوب سوق قابل، إنَّما هو الشونة، وذلك بعد محاولاتٍ عدَّة لإيضاح أنَّ إصرار بعض مستشارِيهم من المهندسِينَ المعماريِّينَ بأنَّها قلعةٌ برتغاليَّةٌ قديمةٌ غير صحيحٍ، وأنَّها إنَّما بُنيت لتكون مخزنًا للحبوب. بناء الشونة لم يكن الهدفُ منه اقتصاديًّا، ولا تخفيفًا على سكَّان جدَّة، بتوفير مستلزماتهم من الحبوب، بل كان الهدفُ من ذلك عسكريًّا بحتًا، فأثناء عدوان محمد علي باشا (تُوفِّي 1849م) الآثم على الدَّولة السعوديَّة الأُولَى بَنَى الشونة؛ لتكونَ مخزنًا للحبوبِ؛ لتزويد قواته المعتدية بما يلزمها من مؤنة، ولزيادة حمايتها بَنَى في غربها حصنًا بما يُشبهُ القلعةَ، وزوَّده بمدافعَ للحمايةِ، وكان الحصنُ باتجاه ميناء جدَّة المعروف بالبنط، ومبناه هو الموجود اليوم كموقعٍ «لمتحف البحر الأحمر»، الذي أقامته -مؤخَّرًا- وزارةُ الثقافة. كان بناء الشونة في القرن التاسع عشر الميلادي -الثالث عشر الهجري- وليس كما زَعَمَ بعض مستشارِي «برنامج جدَّة» بأنَّه كان في تاريخٍ أقدمَ.

الزميلة البروفيسورة سلوى الغالبي، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الملك عبدالعزيز ومدير مركز تاريخ البحر الأحمر وغرب المملكة سابقًا والتابع لدارة الملك عبدالعزيز، سبق وأنْ قدَّمت دراسةً مفصَّلةً عن الشونة، عندما كان هناك تعاون بين ما كان يُسمَّى «إدارة جدَّة التاريخيَّة»، والدارة لإدارة جدَّة التاريخيَّة، أوضحت ماهيتها، وزمن بنائها، ومع ذلك ظهر بعض مستشاري جدَّة التاريخيَّة في قنوات تلفزيونيَّة، وصحف بتصاريحَ مخالفةٍ كليَّةً لحقيقة الشونة.


وأذكرُ، وقد كنتُ عضوَ فريقِ المسحِ والتنقيبِ الآثاريِّ المُكلَّف بالتنقيب عن آثار جدَّة التاريخيَّة، ممثِّلًا لدارة الملك عبدالعزيز قبل سنوات عدَّة، أنَّ رئيس الفريق الأجنبي، وهو بولنديٌّ -على ما أعتقد- أطلعني على بقايا حبَّات قمح ملتصقة بجدار أحدِ أسوار الشونة في عمق من الأرض، في الجهة الجنوبيَّة منها، مؤكِّدًا أنَّها مخزنٌ للحبوبِ ذكَّرتُه بتصريحِ مستشارٍ للبرنامج عن الكشف في قنوات إخباريَّة، وصحف محليَّة مخالف لهذه المعلومة، احتجَّ وقال: «ما كان يجب ذكر ذلك قبل التأكُّد النهائيِّ». وهو ما يؤكِّد ما نكرِّره دائمًا بأنَّ المعلومة التاريخيَّة يجب أنْ تكون خاضعةً لمعايير المنهج التاريخيِّ الدَّقيق، لا إلى اجتهادات غير موثَّقة ولا عبارة عن انطباعات شخصيَّة حتى لا تُحدِث إرباكًا معرفيًّا قد يؤدِّي إلى استنتاجات خاطئة، وهو ما يستدعِي بالضرورة الاستعانة بالمتخصِّصينَ في هذا المجال، وليس بغيرهم.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة