كتاب

العين العزيزية وإيصال المياه إلى جدة

عانت مدينة جدَّة طويلًا من نُدرة المياه، فلم يكن لها مصادرُ مياهٍ صالحة للشُّرب سوى مياه الأمطار، وهي نادرةٌ جدًّا، وكان السكَّان يقيمُون في منازلهم مخازن لتلك المياه، أُطلق عليها اسم صهاريج، إضافة إلى جلب المياه بالدَّواب من العيون البعيدة في وادي فاطمة، وما حولها. ولم تكن مصادر المياه كالعين الوزيريَّة تعمل، فقدْ تهدَّمت أنابيب المياه، ومصدر المياه العذبة الوحيد سوى الكنداسة، لكنَّها لم تكن كافيةً لتزويد احتياجات جدَّة بالمياه العذبة. عزم عددٌ من وجهاء وأعيان جدَّة في عام 1365هـ/1945م مدَّ أنابيب مياه من عيون وادي فاطمة، عسى أنْ تنتهي المعاناة، لكنْ اتَّضح أنَّ التكاليف ستكون باهظةً، ومع ذلك بادرُوا في ساحة البنط إلى التبرُّع، عسى أنْ تتوفَّر المبالغ اللازمة لمدِّ الأنابيب، وجمعوا قرابة نصف مليون ريال، ولمَّا علم الملكُ عبدالعزيز بما حدث، أعاد التبرُّعات لأصحابها، وهي مبالغ تقصر كثيرًا عن تنفيذ المشروع، وأمرَ وزيرَ الماليَّة الشيخ عبدالله السليمان، بجلب المياه إلى جدَّة مهما كلَّفت من مبالغ ونفقات، وفي أقصر مدَّة ممكنة، وبذلك تكفَّلت الحكومةُ بالمشروع دون أعباء على أهالي جدَّة.

اجتمع الشيخُ عبدالله السليمان بملَّاك العيون، وتم الاتِّفاق على شراء مياه ثماني عيون، هي: الخيف، والروضة، والبرقة، وأبو عروة، والحسنية، والهنية، والجموم، وأبو شعيب. فأمرَ الملكُ عبدالعزيز بتنفيذ المشروع فورًا، وأعطى مُلَّاك العيون أضعاف استحقاقاتِهِم.


تمَّ الاتِّفاقُ مع شركة جلا تلي هنكي الإنجليزيَّة؛ لإنشاء المشروع، ووضع التصوُّر الكامل لتنفيذه، على أنْ يقوم بأعمال الحفر، ومدِّ الأنابيب الشيخ محمد بن لادن، وأخوه عبدالله بن لادن، وكان طول أنابيب المشروع التي تمتدُّ من أقصى نقاطه من عين أبو شعيب (65) كيلومترًا، وتصل إلى مدينة جدَّة بوجود خزانات احتياطيَّة في الكيلو (14) المعروفة حاليًّا بحي المنتزهات، عددها سبعة، وسعة كل واحد منها مليون جالون، ومنها تمتد أنابيب فرعيَّة إلى داخل جدَّة وضواحيها. وكان تقدير المياه التي تزوِّد جدَّة من تلك الخزانات قرابة نصف مليون جالون يوميًّا.

استمرَّ العملُ في المشروع قرابة العام، وبتكلفة (6) ملايين ريالٍ سعوديٍّ، وفي الخامس من شهر محرم من العام التالي 1367هـ - 18 نوفمبر 1947م، أُقيم احتفالٌ كبيرٌ في شمال جدَّة بالقرب من الثكنة العسكريَّة، والتي تقع اليوم في محيط ميدان البيعة، بحضور الأمير سعود بن عبدالعزيز، ولي العهد، وعدد من الأمراء، والمسؤولِينَ، وممثلي الهيئات الدبلوماسيَّة، وممثلي البيوتات التجاريَّة الأجنبيَّة تُليت فيه الوثيقة التاريخيَّة الخاصَّة بتأسيس العين، والتي أطلق عليها اسم «العين العزيزيَّة»، نسبة إلى الملك عبدالعزيز. كان وصول مياه العين العزيزيَّة إلى جدَّة نهايةً لمعاناةٍ طويلةٍ، وبدايةً لمرحلةِ تطوُّر وتوسُّع، وخروجها من سورها القديم، وكما يصف عبدالقدوس الأنصاري في كتابه «تاريخ العين العزيزيَّة»: «وبهذا المشروع المائيِّ العظيم هيَّأ لمدينة جدَّة مساواتها للمدن الحديثة في استهلاك الماء العذبة».


رحمَ اللهُ الملكَ عبدالعزيز، وليت يُقام احتفالٌ سنويٌّ بمناسبة وصول مياه العين العزيزيَّة إلى جدَّة؛ تخليدًا لعملٍ جليلٍ.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة