كتاب

صوتها القادم من زمن الريادة

عقب رحيلِ شخصيَّات حفرت مكانها في القلوب والأذهان، تحزنُ القلوبُ، تدمعُ الأعينُ لذلك الرَّحيل الحتميِّ لكلِّ كائن، لكنَّ الصوت يبقى.

الصوتُ بالكلمة المكتوبة، أو المنطوقة، باللَّون، بالعمل الاجتماعيِّ، أو الثقافيِّ، كل تلك الإبداعات التي تُشكِّل الوجدان، تُلهِم، تُسعِد، تُصلِح، تُغدِق من الحُبِّ والجَمَال، من الرَّوعة الإبداعيَّة، شعرًا، نثرًا، لونًا، عطاءً، كلُّ تلك المعاني الجميلة، التي تمنح الآخرِينَ المتعة السمعيَّة، والبصريَّة، لا ترحل برحيل المُبدع، بل تظلُّ باقيةً إلى ما شاء الله.


للريادة في مجتمعنا قيمة كبرى، خصوصًا فيما يخص النساء، لأنهن واجهن صعوبات اجتماعية وثقافية، تجاوزنها بإصرار دون الاصطدام بقيم المجتمع وثقافته وعاداته. فَقَدْ فَقَدَ مجتمعُنا نهاية عام ٢٠٢٥م، وبداية ٢٠٢٦م، رائدتَين أبدعتَا في مجاليهِمَا أيَّما إبداعٍ، رغم العقبات التي كانت تُواجه المرأة في ذلك الزَّمن، الذي زامن نشأة الرَّائدتَين، تفجَّرت موهبتهما برعاية أسرتيهِمَا، التي وفَّرت لهما التَّعليم النظاميَّ خارج حدود الوطن، ودعمت نبوغهما، مع ذلك استطاعتا العودة إلى الوطن لصناعة حالةٍ فنيَّةٍ حديثة، وسط الجمود المسيطر، فانساب فنَّهمَا الشعريُّ واللَّونيُّ كالنَّهر، يروي النُّفوس الظامئة؛ إلى الكلمة المعبِّرة عن ثقافتِنَا ولهجتِنَا الحجازيَّة، ببساطتها وعمقها، وتخليد حياتِنَا ومناسباتِنَا فنًّا تشكيليًّا أبهر العالم، إنَّهما الرَّاحلتَان جسدًا، الخالدتَان صوتًا، الشَّاعرة الغنائيَّة ثريا قابل، والفنَّانة التشكيليَّة صفية بن زقر.

قبل أيام، رحلتِ الشَّاعرةُ الغنائيَّةُ التي تفوَّقت على عصرها، وأبدعت في مجال كانَ حِكرًا على الشُّعراء فقط، لكنَّها تصدَّرت المشهد الغنائيَّ بصوتها الحجازيِّ، ومفرداتها البسيطة العميقة نظمًا ولفظًا ومعنًى.


الشَّاعرةُ السعوديَّةُ ثريا قابل، رائدةُ الشِّعر الغنائيِّ الحديث، كلماتُها تُمثِّل صوتَها، الصوتُ الحاضرُ في كلِّ المناسبات، كما تُمثِّل صوتَ جدَّة، المدينة التي لا زالت تحتفظُ بعبقِ الماضي، تحافظُ عليه، تُرمِّم مبانيه، تحتفِي بتراث منطقةٍ بأكملها، لكنَّ جدَّة التراثيَّة، أو القديمة تجمع كل التَّفاصيل. كما رحلت عن دنيانَا ثريا قابل، رحلت قبلها بأشهر قليلة، سيِّدة اللَّون والرِّيشة، السيِّدة صفية بن زقر، الفنَّانة العالميَّة، التي تخطَّى فنُّها حدودَ الوطن.

رحيلُ الرائدتَينِ عن دنيَانَا في فترةٍ متقاربةٍ، أحدثَ هذا الصَّخبَ الإعلاميَّ، سواء على وسائل التَّواصل، أو في الصحافة؛ لأنَّ الرَّاحلتَينِ أبدعتَا في مجالَين مختلفَين لم يسبقهمَا إليه أحدٌ، ولم يأتِ بعدهمَا أحدٌ، نساءً أو رجالًا.

عرفتُ صفية بن زقر عن قُرب، كُنَّا نلتقِي في مناسباتٍ عديدةٍ، في صالونها الثقافيِّ في دارة صفية بن زقر، أو في بعض المناسبات التي تُقيمها في الدَّارة، أو نتواصل هاتفيًّا، لكنَّ ثريا قابل لم ألتقِ بها أبدًا، فقط تحدَّثتُ معها هاتفيًّا في إحدى المرَّات، عندما طُلِبَ منِّي لقاءٌ تلفزيونيٌّ باعتباري من الرَّائدات، وهذا يعكس جهل بعض مُعدِّي البرامج -للأسف- بالتاريخ الثقافيِّ والاجتماعيِّ للمرأة السعوديَّة، فلا يرونَ غير الموجودِينَ على الساحة الثقافيَّة، أو الاجتماعيَّة، دون البحث عن الأسماء الحقيقيَّة التي تستحقُّ تسليط الضوء عليها.

عندما تلقَّيتُ الدَّعوة، ذكَّرتُهم بأسماء الرَّائدات حقًّا، ما منحني فرصة التحدُّث إلى السيِّدة ثريا قابل هاتفيًّا، للتوسُّط للقناة للظُّهور في البرنامج.

كم استمتعتُ بالحديث الثقافيِّ معها، مع اعتذارها اللَّطيف عن الظهور التلفزيونيِّ، ولها أسبابُها الخاصَّة التي تُحتَرَم.

لكن من حقِّها أنْ تُدْعَى كلَّ مرَّة، ومن حقِّها أنْ تعتذَر، ليس مبرِّرًا تجاهل قامةٍ شعريَّةٍ، أو فنيَّةٍ، أو ثقافيَّةٍ؛ لأنَّها اعتذرتْ مرَّةً، من حقِّها أنْ تشعر باهتمام الأجيال لمكانتها الأدبيَّة، وقيمتها الإنسانيَّة.

«تُعتبر صوت جدَّة الذي نشأ بين رواشينِهَا وحوارِيهَا التاريخيَّة، كان ميلادُهَا بداية علاقة مع الفنِّ، جعلت الكلمة ذات تأثيرٍ ووصولٍ وبقاءٍ.. نقلتْ بكلماتها البسيطة القارئَ إلى عالمٍ جميلٍ من الحُبِّ والمشاعرِ الصادقةِ».

أيضًا من المصدر نفسه: «ثريا قابل المعروفة بـ«شاعرة الحجاز»، و«خنساء الجزيرة العربيَّة»، هي إحدى رائدات الشِّعر النسويِّ الحديث، وُلِدَت في حارة المظلوم بمدينة جدَّة عام ١٩٤٠، ارتبط اسمُها باسم أشهر شارع في جدَّة «شارع قابل»، الذي يعود لعائلتِهَا، تُوفِّي والدُها وهِي في سنٍّ مبكِّرةٍ، وتركها في رعاية عمَّتِها «عديلة»، وتلقَّت أوَّل تعليمها في جدَّة على يد حمزة سعداوي، ثُمَّ التحقت بالكليَّة الأهليَّة في بيروت، التي انطلقت منها لعالم الكتابة. وتُجيب مبرِّرةً غيابها واختفاءها: «أسوأ ما يُواجه الموهوب، هو تكالبُ أحداث الحياة، فالحضورُ كان عندما يتطلَّب الحضور، والغيابُ هو غيابُ الحسِّ الفنيِّ».

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»