كتاب

حين تصنع المدن ذاكرة رجالها.. سعد بن زومة أنموذجًا

المدنُ ليست طرقًا تُعبَّد، ولا مبانيَ تُشيَّد، المدنُ في معناها الأعمق ذاكرةٌ تحفظ أسماء الذين مرُّوا بها، وتركوا فيها أثرًا من الخير والعمل والإنسانيَّة، ولهذا حين رفعت المملكة شعار «أنسنة المدن»، ضمن مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، لم يكن المقصود تحسين المشهد الحضريِّ فقط، بل إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة الأعلى في معادلة المكان.

وفي منطقة الباحة، وتحديدًا في محافظة بلجرشي، يبرز اسمُ الشيخِ سعد بن علي بن زومة -الذي وافته المنيَّة في العشر الأواخر من شهر رمضانَ المبارك- بوصفه واحدًا من أولئك الرِّجال الذين لا يمرُّونَ في حياة مجتمعهم مرورًا عابرًا، بل يتركُونَ أثرًا يشبه الظلَّ الوارفَ الذي يستظلُّ به النَّاسُ طويلًا.


وُلِد الشيخُ سعد في بيئةٍ أصيلةٍ من بيئات الباحة التي عُرفت بقِيم الكرم والتَّكافل، ونشأ قريبًا من مجالس العلم وأهله، فانعكس ذلك على شخصيَّته التي جمعت بين البساطة، والحكمة، وحب الخير، لكن طريقه في الحياة لم يكن مفروشًا بالفرص الجاهزة، بدأ من الصِّفر، معتمدًا على العمل الدؤوب، والإيمان بأنَّ النَّجاح لا يُولد صدفةً، وكانت أُولَى خطواته العمليَّة افتتاح محطَّة للمحروقاتِ في بلجرشي في وقتٍ كانت المنطقة بحاجةٍ ماسَّةٍ لمثل هذه الخدمات، ثمَّ توسَّعت أعمالهُ لاحقًا؛ ليصبحَ اسمًا معروفًا في الأوساط الاقتصاديَّة.

لم تكن القيمة الحقيقيَّة في سيرة فقيدِ الوطن في نجاحه التجاريِّ، بل في الطريقة التي اختار أنْ يوجِّه بها هذا النَّجاح، فقد آمنَ أنَّ المال وسيلة للخير قبل أنْ يكون وسيلةً للثَّراء، ولهذا امتدَّت أياديه البيضاء لدعم الجمعيَّات الخيريَّة، ومساندة المحتاجِينَ، والأيتامِ، والأراملِ، والمساهمة في مشروعات إنسانيَّة متعدِّدة عبر مؤسَّسته الخيريَّة التي تعنِّي بالبرِّ والإحسان، وكان للعلمِ نصيبٌ كبيرٌ من هذا العطاء؛ إذ دعم طباعة كتب علميَّة ونشرها، إيمانًا منه بأنَّ المعرفةَ صدقةٌ جاريةٌ تبقى آثارها بعد رحيل الإنسان.


لم يكن الحزن على رحيل «أبي علي» حزنًا عابرًا على رجل غاب، بل كان شعورًا بفقد رجل كان سندًا ووقفةً لكثيرين، وظلًا وارفًا للفقراء والمحتاجين، وهنا يبرز سؤالٌ يستحقُّ التأمُّل: كيف تحتفي المُدن برجالها الذين صنعُوا فيها هذا الأثر؟

إنَّ إطلاق اسمِ الشَّيخ سعد بن علي بن زومة على أحد شوارع بلجرشي، لن يكون مجرَّد لافتةٍ تُثبَّت على طريق، بل رسالة وفاء لرجلٍ عاشَ بينَ النَّاس محسنًا كريمًا، وتذكير دائم للأجيال بأنَّ هذه الأرض أنجبت رجالًا من أهل المعروف، جعلُوا من العطاء أسلوب حياة.

ومن هنا، نتوجَّه إلى صاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ د. حسام بن سعود بن عبدالعزيز أميرِ منطقة الباحة، الذي عُرف بقربهِ من أهل منطقته، ونطمح أنْ يبادر بإطلاق مبادرةٍ لتخليد اسم هذا الرَّجل في أحد شوارع المدينة التي أحبَّها، وأحبَّته بلجرشي.

بعض الرِّجال حين يرحلُونَ.. لا يتركُونَ وراءهم فراغًا فقط، بل يتركُونَ أثرًا يذكِّر المدن دائمًا بمن صنعُوا إنسانيَّتَها.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة