كتاب

عاداتنا الجميلة.. لتبقى

لكلِّ أُمَّةٍ وجماعةٍ عاداتٌ توارثها أفرادُ المجتمع جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من هويَّته وسماتِهِ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: عادات الأفراح، والأعياد، وزيارات المرضى، والمناسبات الدينيَّة كرمضانَ والحجِّ، وغيرها من العادات التي تترك أثرًا نفسيًّا واجتماعيًّا إيجابيًّا، وتوثِّق أواصر العلاقات، وتبعث الفرح في القلوب.

تلك العادات ينبغي أنْ نحافظ عليها ونصونها، فهي تضفي على مجتمعنا تميُّزه وجماله، وإنَّ اندثارها يفقدنا الكثير من أصالتنا.


أقول ذلك بعدما بذلتُ جهدًا شخصيًّا للردِّ على مَن يدعو لإلغاء هدايا زيارات المرضى من الشوكولاتة، وباقات الورد، أو إلغاء تقديم الطعام والشراب في مناسبات العزاء، أو منع هدايا عقد القِران للمدعوِين والعروس، أو إلغاء استقبال الضيوف في رمضانَ، أو حتى الامتناع عن شراء حلويات العيد والعيديَّات.

كان مجتمع مكَّة المكرَّمة بسيطًا، لا يملك رفاهية اليوم، لكنَّه أوجد لكل مناسبة هدية أو عطية بحسب إمكانياته، وما هو متوفر لديه. ثم انتشرت هذه العادات في مدن المملكة، وتطوَّرت بشكل جميل وفاخر، وأصبح لكل إنسان حرية اختيار ما يناسب ذوقه وإمكانياته دون ضرر أو إضرار.


أما قضية الشوكولاتة وباقات الورد، فهي الأقرب لهدية المريض. وتقدم الحلوى -على اختلاف أنواعها- للزائرِينَ، وتضفي باقات الورد جمالًا على غرفة المريض المزدحمة بالأدوية والمحاليل الطبيَّة. صحيح أنَّ الهدايا قد تفوق الحاجة، لكن يمكن لأهل المريض توزيع الفائض بروح العطاء على الأقارب والأصدقاء، وحتى الطاقم التمريضي.

وتقاس كميَّة الهدايا بمكانة المريض، وكرم يده البيضاء، حتى أنَّ أهل مكَّة يقولُون في رد الجميل: «بيننا جمايل»، أو «أيادي»، أي أنَّ لهم علينا فضلًا وتقديرًا، فنردُّ لهم الجميل بهدايانا.

كل إنسان يقدِّم وفق إمكانياته ومكانته، وفي الزيارات يقال: «نرد رجولهم»، أي أنَّ الأقدام التي مشت إلينا نذهب نحن إليها تقديرًا لفضلهم.

كان المكيُّون يقدِّمون الهدايا للأطفال في سبوع المولود، وفي حفلات نجاح البنات عند ختم جزء عم أو المصحف، وكانت الهدايا من الموجود مثل «حلاوة بتاسا وشريك»، والبتاسا حلوى من السكر. وفي حفلات عقد القِران، تقدم هدايا للعروس على البواخر، وللضيوف في المعاشر مثل «لدو» و»لبنية»، وكل حسب إمكانياته ومكانته، فلا أحد يُجبَر على ذلك، بل هي مشاعر الفرح والرغبة في إسعاد مَن يشاركنا أفراحنا.

كنتُ أسمعُ بعض الدَّاعيات ينهينَ النِّساء عن استقبال الضيوف على مائدة رمضانَ؛ بحجَّة التفرُّغ للعبادة وقراءة القرآن، وكأنَّ إفطار الصائم ليس عبادة! وبعضهنَّ يقترحنَ إعداد طبق واحد فقط للتفرُّغ للعبادة، وختم المصحف مرَّات عدَّة في رمضانَ، حتى أصبحت المنافسة في الختم دون تدبر أو فهم، هدفًا للمباهاة وتزكية النفس!.

وفي أيام العزاء، يحضر الطعام من أهل الفقيد وأقاربه، ويُقدَّم لكل الحاضرِين، وهو صدقة عن الميت للترحُّم عليه، وكل حسب إمكانياته ومكانته.

أما عيد الفطر، فله نكهة فريدة تُصنع من تفاصيل الهدايا والعيديات وفطور العيد، الذي لا يشبه فطور أيِّ دولة عربيَّة أو خليجيَّة. كل أسرة لها طريقتها أو عاداتها التي توارثتها جيلًا بعد جيل، ولأن الإهداءات كانت سمة للمجتمع المكي، انتشرت هذه العادات في المجتمع.

كانت موائد رمضان تمتلئ من إهداءات الجيران، وفي العيد تصنع الدبيازة في قدر كبير يهدى منه للأهل والجيران.

دعونا نحافظ على عاداتنا الجميلة؛ لتبقى راسخة عبر الزَّمان، فهي روح المجتمع وسر تميُّزه.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!