كتاب

بين شباب الروح.. وقيود الجسد

استمعتُ إلى بعض الشَّابَّات وهُنَّ يتبادلنَ بعض الألقاب، التي تُطلق عليهنَّ، وأصابتهنَّ بصدمةٍ شديدةٍ، مثل «يا خالة»؛ لأنَّها أدخلتهنَّ في قائمة كبار السِّن، بينما بعضهنَّ لم تتزوَّج، ولم تنجب، وتنظر للحياة بحبٍّ وتفاؤلٍ.

عبارة «يا خالة» ليست تقديرًا للنِّساء، بل هي في الحقيقة صفعةٌ، تسقط على صدغكِ بغتةً، تؤلمك بعمقٍ، تخرجك من إحساسك بذاتك وروحك الشَّابَّة، وتحيلك إلى كائنٍ يتابع سنوات عُمرِهِ بأسى.


لماذا لا تخاطب المرأة، حتَّى لو كانت كبيرةَ السنِّ بـ«السَّيِّدة»، أو «الهانِم»، أو «الأستاذة»، فهي ليست خالةً، ولا أُمًّا، ولا أُختًا، بل كائن إنسانيٌّ، تمتلك روحًا شابَّةً مهما بلغت من الكِبر عِتِيًّا! أي مفردةٍ يصطلحُ عليهَا المجتمعُ، بعيدًا عن كلمةِ «خالة، والدة»، أو «الحُرمة» تُقدِّر المرأة، ولا تحدِّد فئتها العُمريَّة تكون مناسبة للجميع، هي الأفضل.

كتبتُ مرَّةً مقالةً عبَّرتُ فيهَا عمَّا أحدثتهُ في نفسِي هذهِ العبارةُ «يا حُرمة»، كنتُ أقفُ أمامَ البائعِ، أتى شابٌّ صرخَ في البائعِ قائلًا: «مشِّي الحُرمة»، التفتُ إليهِ، أعدتُ عبارتَهُ بدهشةٍ: «حُرَمة..؟!» قالَ: ماذَا أقولُ؟.


عذرتُهُ؛ لأنَّه لا يعرفُ عبارةً غيرهَا!.

كذلكَ مَن يطلقُ عبارة «شايب، والد، مُسن»، كلُّها عباراتٌ خادشةٌ لروحِ كبارِ السِّنِّ، حتَّى لو صدرت من صغارِ السنِّ!ْ.

حتَّى لوْ كانَ شايبًا نتيجةَ الشَّيبِ الذِي غطَّى شعرَ رأسهِ ووجههِ، فإنَّ روحهَ تخدشهَا هذهِ العبارةُ. كثرةُ خدوشِ الرُّوحِ تُفسِدُ انطلاقَه وحبَّه للحياةِ، تجعله يعيدُ التَّفكيرَ مرَّة ومرَّات في إحساسِهِ بذاتِهِ وبالحياةِ، ثمَّ يقتنع أنَّه واهمٌ وأنَّه كبُر حقًّا، وأنَّ عليهِ أنْ «يكنَ» ويقبَل شيبتَه، ويشعرَ بالعجزِ يدبُّ في روحهِ ومشاعرهِ، يصرفه عن استقطابِ متعِ الحياةِ أو المشاركةِ فيهَا!.

ربما لذلك يجد كثيرٌ منَّا نفسه تنجذبُ نحو تلك المقولاتِ التي تصوِّر كبار السِّن في هيئة الشَّباب، ليس بدافع الوَهَم، بل لأنَّ القلب والروح ما زالا يزهرَان بالحيويَّة، رغم تعب الجسد، إلَّا أنَّ نظرات الآخرِينَ وتصنيفَاتِهم، والألقاب التي تُطلَق من الفئات الأصغر سنًّا، تكذِّب هذه المشاعر، وتخنق نبض القلب، واندفاع الرُّوح نحو متع الحياة، وكأنَّ الاستمتاع أصبح حكرًا على مَن هُم أقل عُمرًا، بينما يُحرم منه من تجاوز الخمسِينَ أو السِّتينَ.

كثيرٌ من الأبناءِ والبناتِ لا يُفكِّرُون حتَّى في اصطحابِ آبائِهم وأمهاتِهم معهُم خلال استمتاعِهم بالسَّفرِ، أو الخروجِ للمطاعمِ أو المقاهِي، ويكتفُون بالخروجِ معَ زوجاتِهم، أو أزواجِهم، والأبناءِ، أو الأصدقاءِ، وكأنَّ هذهِ الأرواحَ الساكنةَ في أجسادِ آبائِهم وأمهاتِهم لا تنسجم مع أماكنَ التَّرفيهِ واللَّهو والمُتع، وربَّما انتقدَ بعضُهم رغبةَ الوالدَينِ في الخروجِ والسَّفرِ وارتيادِ أماكنِ التَّرفيهِ واللَّهوِ، معتبرِينَ أنَّ عليهِ لزومَ الصَّلاةِ والاستغفارِ استعدادًا للرَّحيل.

مَن منَّا يعلمُ مَن يرحلْ قبلَ مَنْ؟!.

كمْ من الأبناءِ رحلُوا قبلَ آبائِهم، وكمْ صغيرًا رحلَ باكرًا، وكمْ كبيرًا بقِيَ ينعَى مَن رحل؟!.

الكلمات التي تلتصق بكبار السِّن تترك آثارًا دامية في الروح، فهي التي تصيب الروح بالوهن، بينما الروح في حقيقتها سرٌّ من أسرار الله لا تعرف الشيخوخة، ونحن بعجزنا عن إدراك حقيقتها نحدث الانكسار النفسي لفئة منحت عمرها وتنتظر التقدير.

تأكيد كبر السِّن والشيخوخة بالكلمات تُضعف الجسد، وتسلِّمه للمرض. لذا فالمشكلة الحقيقيَّة تكمن في كيفيَّة تعاملنا مع كبار السِّن.

كلُّنَا سائرُونَ في هذَا الطريقِ -صغارًا وكبارًا- نمرُّ بمحطَّاتٍ مختلفةٍ، كالمُسافرِ لا بُدَّ أنْ يجدَّ السيرَ دونَ كللٍ أو مللٍ، فالعمرُ يسيرُ بخطى ثابتةٍ واثقةٍ، الفرقُ بينَ البشرِ هي لحظة الوصول إلى المحطَّة الأخيرة، فمَن يصل إليهَا باكرًا، ومَنْ يصل في منتصفِ الطَّريق، ومَنْ يمتد أمامه الطَّريق. كلُّنَا إذًا مسافرٌ على الطَّريقِ، ليتنَا نترفَّق بالرَّفيقِ!.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!