كتاب

الإعاقة ليست نهاية الطريق.. بل بداية التفوق

منذ أكثر من ألفي عامٍ، قال الشاعرُ الرومانيُّ جوفينال: «إنَّ العقلَ السليمَ في الجسمِ السَّليمِ»، غير أنَّ تأمُّل سير بعض العباقرة يكشف أنَّ هذه المقولة ليست قاعدةً مطلقةً؛ فكثيرٌ منهم لم يكونُوا بأجساد معافاة تمامًا.
وعلى مر التاريخ البشري، لم تكن الإعاقة الجسدية عائقًا أمام التميز والإبداع، وتقديم خدمات جليلة للإنسانية، بل كانت في كثير من الأحيان دافعًا مضاعفًا للإصرار والتحدي، منحت أصحابها تفوقًا استثنائيًّا.

ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن حميد -رحمه الله- الذي نشأ كفيف البصر، وتقلَّد سلك القضاء في عهد الملك عبدالعزيز، ثمَّ اختاره الملك فيصل رئيسًا للإشراف الدينيِّ على المسجد الحرام. وفي عام 1395هـ عيَّنه الملك خالد رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء، وعضوًا في هيئة كبار العلماء، ورئيسًا للمجمع الفقهيِّ، وعضوًا في المجلس التأسيسيِّ لرابطة العالم الإسلاميِّ. وقد عُرف بسيرته العطرة، حتَّى قال عنه الملك عبدالعزيز: «لو كنتُ جاعلًا القضاء والإمارة في يد رجلٍ واحدٍ، لكان ذلك هو الشيخ عبدالله بن حميد».
ومنهم الفنَّان الفرنسي بيير أوغست رينوار (1840– 1919م)، الذي رغم إصابته بالروماتيزم الشَّديد، حتَّى عجز عن تحريك أصابعه بشكل طبيعيٍّ، واصل الرسم بإصرار مذهل، وأنتج أكثر من ألف لوحة، محقِّقًا حلمه بأنْ تُعرض أعماله في متحف اللوفر، تاركًا إرثًا فنيًّا خالدًا بوصفه أحد روَّاد المدرسة الانطباعيَّة.

وكذلك الموسيقارُ الألمانيُّ لودفيغ فان بيتهوفن (1770م)، الذي فَقَدَ حاسَّة السَّمع تدريجيًّا، ومع ذلك أبدع أعظم مؤلَّفاته الموسيقيَّة، ومنها «الرباعيَّات الوتريَّة» و»السيمفونيَّة الثالثة»، التي تُعدُّ من أعمق أعماله، وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الموسيقى.
ومنهم أيضًا الفنان الأمريكي ستيفي وندر، الذي وُلِدَ كفيفًا، لكنَّه أصبح واحدًا من أبرز الموسيقيِّين في العالم، حيث جمع بين الغناء، والتَّلحين، وكتابة الشِّعر، وحصد أكثر من 25 جائزةً، وصُنِّف ضمن أكثر الفنَّانين مبيعًا في التاريخ.
وعند الحديث عن تحدِّي الإعاقة، لا يمكن إغفال هيلين كيلر، التي فَقَدَت سمعَها وبصرَها في طفولتها المبكِّرة، لكنَّها أتقنت عدَّة لغات، وحصلت على درجة الدكتوراة، وألَّفت كُتبًا، وأصبحت رمزًا عالميًّا للدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة.
وأخيرًا، عالمُ الرياضيَّات الأمريكي جون ناش، الذي عانى من اضطرابات نفسيَّة، لكنَّه قدَّم إسهاماتٍ علميَّةً رائدةً في نظريَّة الألعاب، أهَّلته لنَيل جائزة نُوبل، مؤكِّدًا أنَّ العبقريَّة يمكن أنْ تتجاوز أقسى التحدِّيات.
إنَّ هذه النماذج الواقعيّة تؤكِّد أنَّ الإعاقة في ذاتها لا تحوِّل الإنسان إلى كائنٍ سلبيٍّ، وإنَّما الاستسلام والانهزام الداخلي هما العائق الحقيقي أمام النجاح.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة