كتاب

صوته الطاغي.. وأصواتنا

قبل سنواتٍ اصطحبتُ عددًا من أفراد أُسرتي، ومن أفراد العائلة إلى القاهرة، كان السؤالُ الرئيسُ منهم جميعًا: هل يُوجد واي فاي؟.
حقيقي تتوفَّر خدمة الواي فاي في شقَّتي، لذلك أكَّدتُ لأحفادي أنَّ الواي فاي يعملُ بكفاءة، حيث هناك مَن يسدِّد فواتيره الدوريَّة.

عند وصولنا، اكتشفنا انقطاعه الكامل. لم أكنْ أتصوَّر أهميَّته، لكن بدا لي أنَّ الجميع كأنَّه فَقَدَ الشهيَّة لكلِّ شيءٍ!.
أحضرتُ لكلِّ فرد جهازًا صغيرًا يوصله بشبكة النت، لكنَّه لم يكن سريعًا، ولم يحقِّق تطلُّعاتهم ورغباتهم.

شعرتُ كأنِّي كذبتُ عليهم لمرافقتي، لذلك بدأتُ في زيارات يوميََّة لشركات الإنترنت في القاهرة، لكنَّ المشكلة أنَّ عودة الخدمة تتطلَّب أُسبوعَين، وهي مدَّة فوق طاقة احتمال الصِّغار والكِبار على حدٍّ سواءٍ.
أخيرًا تمَّ الاتفاق مع شركة، لكن استغرق الأمر أسبوعًا.
الجميل، وسط حالة الكآبة التي أصابتهم، أنَّهم تحلَّقوا حول جهاز التلفزيون خلال وجودنا في المنزل، كما أنَّ اصطحابهم للخارج كان أسهل وأسرع دون أعذار وهميَّة.
تصوَّرتُ أنَّ جمعتنا آنستهم، وأفسدت تذمُّرهم، لكنِّي اكتشفتُ وَهَمِي عندما بدأ عمل الواي فاي، الجميع لاذوا بغرفِهم، وانشغل بجهازه المحمول، وكأنَّ الحياة عادت إليهم، لكنَّها انسحبت من المنزل.
الهاتفُ نعمةٌ كُبرى، لا يمكن إنكار فوائده للتَّواصل والمعرفة، وإنجاز الأعمال، لكنْ حين يتجاوز الحدَّ الطبيعيَّ من الاستعمال، يحوِّل كثيرًا من البيوت إلى جدارٍ صامتٍ يفصل بين أفراد الأسرة الواحدة، وأحيانًا يفصل بين الأصدقاء، ويحول اجتماعهم إلى نظرات مختلسة إلى الهواتف، وفقدان التركيز للحوار الذي يجمعهم، والهدف من وجودهم معًا تحت سقف واحد.
نجلس إلى مائدة واحدة، لكنَّ العيون معلَّقة بالشَّاشات، أو الإصرار على التقاط الصُّور، والأدهى أنَّك تجد المدعوَّات في مناسبات الزَّفاف مثلًا لا يتركنَ زاويةً في القاعة إلَّا وقد تجمعنَّ لالتقاط الصُّور، وأحيانًا من المدخل إذا كان ديكوره مكلفًا وجميلًا، يصوِّرنَ كلَّ شيء، حتَّى ما يُقدَّم للضيوف، والقاعة بما فيها ومن فيها. أرى في كثيرٍ من السنابات صور حاضرات صُوِّرنََ دون معرفتهنَّ ودون إذنهنَّ.
من المؤلم أنَّ الهاتف الذي اخترع بوصفه وسيلةً للتواصل، أصبح في كثيرٍ من استعمالاته أداة تباعد وانفصال!.
قرَّب البعيد الذي يتواصل معنا من وراء المدن والقارَّات، لكنَّه في الوقت نفسه، سرق من كثيرين مهارة الإنصات لمَن يشاركونهم السَّقف ذاته.
لم يعد الطفلُ يجد عينًا تنظر إليه باهتمام، ولا الأبوان يحظيَان بحوارٍ دافئٍ كما كان يحدثُ في الأمسيات القديمة، ولا حتَّى الأزواج يسلمُونَ من هذا التباعد النَّاعم الذي يبدأ بإشعار صغير، ثم يمتدُّ حتى يبتلع ساعاتٍ من العمر المشترك.
المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في الطَّريقة التي سمحنا لها أنْ تعيد تشكيل علاقتنا بالبيت والأسرة والوقت.
فالبيتُ لم يكن مجرَّد مكان للنَّوم، وتبادل الضروريَّات، بل كان مساحةً للونس، وحكايات المساء، والاختلاف الجميل، والضحكة التي تخفِّف عن الجميع قسوة اليوم، وحين تَبهُت هذه التَّفاصيل الصَّغيرة، يفقدُ البيت شيئًا من روحه، حتَّى لو بدا في الظَّاهر عامرًا بكلِّ أسباب الرَّاحة.
لم تعد مشكلةُ البيوت ارتفاع أصوات أفرادها: بل في غيابها في صمتٍ طويلٍ يلفُّ المجلس، كلُّ فردٍ يمرِّر إصبعه على شاشةٍ مضيئةٍ، وكأنَّ البيت تحوَّل إلى محطَّة عبور مؤقَّتة، لا إلى مأوى للعلاقة والسَّكينة.
هذا الصَّمتُ لا يُرى بسهولة؛ لأنََّه لا يكسر الأشياء من حولنا، بل يكسر ما هو أعمق: الأُلفة، الاهتمام، والشُّعور الصَّادق بأنَّ هناك مَن يصغي إلينا حقًّا.
المشكلةُ إنسانيَّةٌ قبل أنْ تكون تقنيَّةً، علاجها لا يكون بإعلان الحرب على الهاتف، ولا بتحميله مسؤوليَّة ما يحدث، بل بإعادة ترتيب الأولويَّات داخل بيوتنا.
نحن بحاجة إلى لحظات نسترد فيها حضورنا الحقيقي: جلسة عائلية بدون شاشات، مائدة ينظر فيها إلى الوجوه لا إلى الإشعارات، حديث يقال على مهل، سؤال صادق عن الأحوال لا يقطعه رنين أو تنبيه.
أجمل ما في البيت، ليس ما نملك فيه من أجهزة، بل الصوتُ الذي يبثُّ المشاعرَ، ويصنعُ المواقفَ، ويجمعُ الذكرياتِ.
لسنا ضدَّ العصر، ولا ضدَّ وسائل الاتِّصال والتواصل، لكنَّنا ضد أنْ نخسرَ أصواتنا، ضد انطفاء الأرواح وهي متَّصلة بكلِّ شيءٍ إلَّا ببعضِها.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!