كتاب

من بيليه إلى رونالدو.. رحلة القوة الناعمة

لم تعدْ كرةُ القدمِ مجرَّد لعبةٍ تُمارَس داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت ظاهرةً عالميَّةً تتجاوزُ حدود الرِّياضة إلى مجالات الاقتصادِ، والسياسةِ، والإعلامِ، وحتَّى القوَّة النَّاعمة للدُّول. فهذه اللعبة التي يتابعها ملياراتُ البشر حول العالم، تحوَّلت إلى صناعة ضخمة تُدرُّ مليارات الدولارات سنويًّا، وأصبح نجومُها من أكثر الشخصيَّات تأثيرًا وشهرةً وثروةً في العالم.
وتعودُ بدايات كرة القدم الحديثة إلى إنجلترا، في القرن التاسع عشر، حين وُضعت القوانين الرسميَّة للعبة عام 1863م، من خلال الاتحاد الإنجليزيِّ لكرة القدم، إلَّا أنَّ جذور اللُّعبة تعود إلى حضارات قديمة مارست ألعابًا شبيهةً بكرة القدم في الصِّين، واليونان، وروما القديمة. ومع مرور الزَّمن، انتشرت اللُّعبة بسرعةٍ هائلةٍ في مختلف القارَّات، حتى أصبحت الرياضة الشعبيَّة الأُولَى في العالم دونَ منازعٍ.

واليوم، بات اللاعبُون الكبارُ يمثِّلُونَ ثرواتٍ اقتصاديَّةً هائلةً، وأصبحت صفقات انتقالهم بين الأندية حديث العالم. فانتقالُ البرازيليِّ نيمار من برشلونة الإسبانيِّ إلى باريس سان جيرمان الفرنسيِّ عام 2017م، مقابل أكثر من 220 مليون يورو، شكَّل واحدةً من أغرب وأضخم الصَّفقات في تاريخ كرة القدم، كما أثار انتقالُ البرتغاليِّ كريستيانو رونالدو بين مانشستر يونايتد، وريال مدريد، ثم يوفنتوس، والنصر السعوديِّ اهتمامًا إعلاميًّا وجماهيريًّا غير مسبوقٍ، وكذلك انتقال الأرجنتينيِّ ليونيل ميسي إلى باريس سان جيرمان، ثم إلى إنتر ميامي الأمريكيِّ، الأمر الذي انعكس اقتصاديًّا وسياحيًّا وإعلاميًّا على تلك الأندية والمدن.
وأصبحت كرة القدم اليوم، موردًا اقتصاديًّا مهمًّا لبعض الدول، تمامًا كما هو النفط والغاز والمعادن. ففي كثير من الدول الإفريقيَّة الفقيرة، تحوَّل اللاعبُونَ المحترفُونَ إلى سفراءَ عالميِّين لبلدانهم، وأسهمُوا في تعريف العالم بأوطانهم أكثر ممَّا فعلته السِّياسة أو الاقتصاد. فلو لم يظهر الأسطورة البرازيليَّة بيليه، ربَّما لما انتشر اسم البرازيل بهذه الصُّورة الواسعة في العالم الرياضيِّ والشعبيِّ، وكذلك الحال مع أسماء إفريقيَّة لامعة مثل ديدييه دروغبا، وصامويل إيتو، ومحمد صلاح، وساديو ماني، الذين أصبحُوا رموزًا عالميَّةً تتجاوز حدود الرِّياضة.

وتضمُّ قائمة أساطير كرة القدم أسماءً حفرت تاريخها بأحرف من ذهب، مثل بيليه، ودييغو مارادونا، ويوهان كرويف، وفرانز بيكنباور، وألفريدو دي ستيفانو، وغيرهم من النُّجوم الذين غيَّروا مفهوم اللًّعبة، وصنعُوا مدارس كرويَّة لا تزال تُدرَّس حتى اليوم. ولم يكن تأثير هؤلاء مقتصرًا على الملاعب فقط، بل امتدَّ إلى الثقافة والإعلام والتسويق والاقتصاد.
وفي المملكة العربيَّة السعوديَّة، شهدت كرة القدم نقلةً نوعيَّةً كبيرةً خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع استقطاب نجوم عالميِّين مثل كريستيانو رونالدو، وغيرهم من اللاعبِين الدوليِّين، الأمر الذي منح الدوري السعودي زخمًا إعلاميًّا وجماهيريًّا واسعًا، وأسهم في تعزيز مكانة المملكة رياضيًّا وسياحيًّا واستثماريًّا، بما ينسجم مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز جودة الحياة.
لقد أصبحت كرة القدم لغة عالمية مشتركة، تجمع الشعوب على اختلاف أعراقها وثقافاتها، وتحولت من مجرد لعبة إلى صناعة متكاملة، وقوة ناعمة تستخدمها الدول؛ لتعزيز حضورها وتأثيرها عالميًّا. وربما لم يعد اللَّاعب مجرَّد رياضيٍّ يسجِّل الأهداف، بل أصبح سفيرًا لوطنه، وعلامةً تجاريَّةً عالميَّةً، ومصدرًا للإلهام لملايين الشَّباب حول العالم.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة