كتاب

الكرة.. لعبة المساكين

من أسرار الرياضة الجماعية جماهيرية كرة القدم الاستثنائية بين الشعوب والطبقات الاجتماعية بكل درجاتها. فلا كبير للكرة ولا صغير. الكل مندهش ومفتون ومسحور. لماذا؟ وكيف؟
كلنا يدرك بعض الأسباب، وبعضنا يدرك جلَّها. ومنها أنك لا تعرف إلى ماذا ستنتهي النتيجة، مهما كانت قدرتك على التحليل، ومهما كانت المعطيات. فالمعنويات والجمهور والأرض والحظ، كلها عوامل تحدد، في لحظات قد تكون حاسمة، مصير المباراة.

ومن كان يحسبها بالورقة والقلم، وعطفًا على تاريخ الفريقين، وبناءً على مستويات مدربيهما ولاعبيهما، وحكمًا على ظروف اللعب، من الأجواء إلى الملاعب إلى إصابات النجوم، قد يجزم بفوز كاسح لفريق كبير، بمدربه وتشكيلته وجمهوره. ثم قد يفاجأ بأداء عجيب للفريق الأقل حظًّا يتجاوز به كل التوقعات: دفاعًا أو هجومًا، أو «حظًّا يفلق الصخر». وفي المقابل يصدمك الفريق «الكبير» بعدم قدرته على اقتناص الفرص، أو تماسك الصف، أو حماية مرماه.
كل هذه التحولات، التي قد تنتهي في لحظة تسبق صفارة الحكم الأخيرة، تجعل المتابع يقف على أطراف أصابعه، ويصرخ مع كل هجمة ناجحة، ويتوقف قلبه مع فشلها. ويخرج في نهاية الأمر إما لاطمًا أو ملطومًا، حسب ما تعلنه شاشة الملعب من نتيجة.

هذه سمة خاصة بكرة القدم، في حين أن الألعاب الأخرى لا تجري بنفس الرتم السريع. فكثرة الأهداف في كرة اليد، أو الكرة الطائرة، أو كرة السلة، تجعل من النادر أن يغيِّر هدف واحد نتيجة المباراة. كما أن كثرة الوقفات والاستراحات تُبطئ من حماسها، وخاصة عند مقارنتها برياضات ككرة القدم والبيسبول الأمريكيتين، والرغبي والبولو الإنجليزيتين، والكريكيت الهندية، وهوكي الجليد الكندية.
هذا كله معروف ومرصود، ولعله يبرر إلى حد كبير شعبية كرة القدم العالمية (لا الأمريكية، التي تُلعب باليد وتعتمد على «المضاربة» و«المصادمة»، لا على الفنون الأدائية للعقل والموهبة وكل الأطراف ما عدا اليد!). ولكن ما يراه صديقي المثقف فهد المقيرن يفسر، برأيي، أهم هذه الأسرار.
يقول أبو فيصل إن كرة القدم هي اللعبة الوحيدة التي ابتكرها الفقراء وهيمنوا عليها. فقد بدأت اللعبة في الأزقة والميادين والشواطئ بأكثر بلدان العالم فقرًا، وانتشرت إلى أكثرها ثراءً عبر مساكينها وبسطائها.
وباستعادة تاريخ الألعاب ازدادت قناعتي بصحة نظريته. ففيما اخترعت النخب الأرستقراطية الغنية والمتعلمة الألعاب الأخرى، ومارسته في أنديتها وملاعبها وجامعاتها، وأنفقت الغالي والرخيص في إعداد ملاعبها وأدواتها، تميزت كرة القدم ببساطتها ومرونتها. فأنت تستطيع أن تلعبها بأي عدد متساوٍ من اللاعبين، وفي أي شارع، وعلى أي ملعب. لا يهم إن كان ترابيًّا أو عشبيًّا، أولمبيًّا أو صغيرًا، مكشوفًا أو مغطى. وليس للكرة نفسها مقاس أو تكوين محدد في الممارسة الشعبية.
فـ«كرة الشراب»، مثلًا، تُمارس في الملاعب الرملية، بلاعبين حفاة. يرتدي فريق منهم قمصانًا مختلفة، بينما ينزع الفريق الآخر الفانيلات لتمييز نفسه. أما السراويل فلا حرج في شكلها أو نوعها أو لونها. والحجارة عندهم تحل محل القائمين، وخطوط الملعب جيرٌ أو خط على الرمل، أو تقدير نظري من الحكم. المهم أن يلعبوا إلى أن يحل الليل أو التعب، و«قون المغرب بعشرة».
وأكثر اللاعبين الكبار خرجوا من هذه البيئة. فمن دوري الحواري وملاعب الشوارع أبصر الكشافون مواهب نادرة، قامت الأندية باستقطابها وصقلها وتحويلها إلى نجوم مضيئة. هكذا خرج بيليه ومارادونا وماجد عبدالله ومحمد صلاح ومحمد نور وسعيد العويران، وغيرهم من النجوم العرب والدوليين.
ولذلك فإن مما يهدد هذه اللعبة بالخطر تحولها إلى تجارة رابحة لا يقدر عليها إلا الأغنياء. فمن القمصان والأحذية والمنتجات الفاخرة، إلى الكرات الغالية، إلى الاشتراكات التي تقصم الظهر في القنوات الرياضية.
فبعد أن كانت الحكاية كلها كرة شراب، أو تذكرة ملعب رخيصة، أو شاشة تلفاز منزلية، تصاعدت الكلفة حتى أصبحت المشاهدة أو المشاركة تتطلب ما تعجز عنه مداخيل الطبقة الكادحة وذوي الدخل المحدود.
وشيئًا فشيئًا تتحول لعبة الفقراء إلى أندية الأغنياء، ويتحول اللاعبون إلى سلعة تُباع وتُشترى، أحيانًا بمئات الملايين، وتصبح الأندية شركات تُقيَّم أعظمها بالمليارات، وتُباع أسهمها في أسواق المال كأي شركة، أو تشتريها الصناديق السيادية والشركات الكبرى ومليارديرات العالم.
لا أعرف إلى أين تنتهي الأمور، ولكني توقفت عن المتابعة اللصيقة والحماسة العالية منذ تحولت الأندية إلى شركات عالمية، يصعب أن تجد فيها لاعبًا تحفظ اسمه، أو تشبه لونه، أو تشاركه الخبز والوطن. ومنذ أن أصبحت المتابعة بفلوس، والانتماء بعضوية، واللعب باشتراك.
وزاد ابتعادي مع تفرغي لمتابعة الأحداث السياسية والتحليل السياسي، ومؤخرًا لانشغالي بالخطة العلاجية، بزحام مواعيدها، ونظامها الدوائي والغذائي الدقيق. ولا أهتم إلا عندما يربح المنتخب، أو أي نادٍ يمثل الوطن، أو يكسب فريقي المفضل بطولة.
وسلام وداعٍ، يبدو أنه سيطول ما تبقى من العمر، على 'كأس العالم مجاناً' و'ملاعب الطيبين'!

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
تحت مظلَّة السعودة
;
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
;
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة
حين صار الحلمُ كرةً.. وصارت الأرضُ مدرّجًا