كتاب

«الصحبة يا رسول الله»

إنَّ علاقة سيدنا أبي بكر الصِّديق -رَضِيَ اللهُ عنهُ- برسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قامت على الدِّين، والصِّدق في المودَّة، فالصديقُ المقرَّبُ دائمًا، هو الذي تشاركه تفاصيل حياتك وأهدافك، إنَّ هجرة النبيِّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- من مكَّة المكرَّمة، إلى المدينة النبويَّة نموذجٌ في ذلك، حيث تعضدَّت هجرته بمعنى الصداقة، من خلال الصُّحبة (المشاركة)، فقد قدم رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- علَى أبي بكر، يُخبره بأمر الله له بالهجرةِ، فسرعان ما أفصحَ أبو بكر عن رغبته في الصُّحبة والمشاركة قائلًا: «الصُّحبَة يَا رسولَ اللهِ»، تقولُ السيِّدةُ عائشة -رَضِيَ اللهُ عنهَا-: «فَوَاللهِ مَا شعرتُ قَط قبلَ ذلكَ اليومِ أنَّ أحدًا يبكِي مِن الفَرَحِ... حتَّى رأيتُ أبَا بكرٍ يبكِي يَومئذٍ»، وقد حدَّد القرآنُ الكريمُ انفرادَ أبي بكرٍ بالصُّحبَة في الهجرةِ مع نبيِّه محمَّدٍ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في قولهِ تعَالَى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
لقد حَظِيَ سيِّدنا أبو بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- بمكانةٍ عندَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لم تكنْ لأيِّ صحابيٍّ آخرَ، ففي صحيح البخاريِّ أنَّه عندما أغضبَ بعضُ الصَّحابةِ سيِّدنا أبا بكرٍ الصِّديق، قالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: هلْ أنتُم تاركُونَ لِي «صَاحبِي»؟ هلْ أنتُم تاركُونَ لِي «صَاحِبِي»؟! إنَّ أبا بكرٍ استحقَّ هذه المكانةَ عندَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لتفرُّده بمواقف الثِّقة برسولِ اللهِ، وبما جاء به من عند الله، فعندما عادَ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- من رحلةِ الإسراء، وحدَّث بما رأى في بيت المقدس، قصدَ كفارُ قريشٍ أبا بكرٍ فقالُوا له: «إنَّ صاحبَكَ هذهِ المرَّة يدَّعي مَا لَا يمكنُ تصديقُهُ، إنَّه يدَّعِي أنَّه ذهبَ إلى بيتِ المقدسِ، وعادَ في ليلةٍ واحدةٍ (!!) وهذَا مَا لا يصدِّقُه عاقلٌ»، فقال أبوبكرٍ -وهو واثقٌ من صاحبهِ-: أوَقَدْ قَالَ ذَلكَ؟ قالُوا: نعمْ. قالَ: «إنْ كَانَ قَدْ قَالَ ذَلكَ فَقَدْ صَدَقَ». ومِن هُنا جاء وصفُ القرآن الكريم للعلاقة بين النبيِّ محمَّدٍ، وأبي بكرٍ بالصِّدِّيق -رَضِيَ اللهُ عنهُ- فِي قولهِ تعَالَى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ).

إنَّ الهجرة النبويَّة فاصلٌ في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة، أقدم على تحمُّل أعبائها ومشاقِّها محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وصاحبُهُ أبو بكرٍ حتَّى إذا اختفيَا فِي الغارِ وَكادَ الأعداءُ أنْ يطيحُوا بهما، قال أبو بكر: «واللهِ يَا رسولَ اللهِ لوْ نَظَرَ أحَدُهُم تحتَ أقدَامِهِ لَرَآنَا»، فقالَ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بكرٍ بِاثنَينِ اللهُ ثَالِثهُمَا؟»، وعندمَا لاحقَهُما سراقة بن مالك للقبضِ عليهما، تحوَّل المشهدُ إلى معجزة، عندما غاصت حوافرُ خيله في الأرض، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «كيفَ أنتَ يَا سُراقة، وأنتَ تلبسُ سوارِي كِسرَى؟!»، إنَّها النظرةُ للمستقبل، والتفاؤل بما وعدَ اللهُ، وإلَّا كيف إنسانٌ مُطاردٌ يفكِّرُ بمثلِ هذَا الوعدِ، وقدْ تحقَّق ذلكَ أيَّامَ سيِّدنَا عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، وفي مسيرةِ الهجرة النبويَّة دروسٌ عديدةٌ نحتاج أن نذكِّر بها، ونذكرها للأجيال، فهي نموذجٌ لمعنى الصُّحبَة في الحياة، وعند المهام، وتحمُّل المسؤوليَّات، مُستلهمِينَ ذلك من مبادرة أبي بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- بطلبهِ المشاركة بقولهِ: «الصُّحبَة يَا رسولَ اللهِ»، نتذكَّرُ ذلك، ونحنُ على أعتابِ عامٍ جديدٍ هو ١٤٤٨ هجريَّة، جعلَه اللهُ عامًا مزهوًّا بالعطاءِ، ومزدهرًا بالنَّمَاء.

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
;
الاختبارات وذاكرة البيوت
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
تحت مظلَّة السعودة
;
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
;
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة
حين صار الحلمُ كرةً.. وصارت الأرضُ مدرّجًا