كتاب

الاختبارات وذاكرة البيوت

بعد أيامٍ تبدأ الاختبارات النهائيَّة، ويبدأ معها موسمُ القلق والاستعداد والمراجعة، ومع كلِّ عام يعود سؤالٌ يتردَّد في المجالس، ووسائل التواصل: هل ما زال توقيتُ الاختبارات مناسبًا في ظلِّ درجات الحرارة المرتفعة، التي تشهدها مناطق كثيرة من المملكة؟ هذا السؤال ليس جديدًا، فقد طُرح مِرارًا من تربويِّين، وأولياءِ أمور، وكتَّاب، خاصَّةً أنَّ بعض الطلاب والطالبات يغادرُون منازلهم ويعودُون إليها في أجواء صيفيَّة قاسية.
ومن الإنصاف القول إنَّ التَّعليم في المملكة شهد خلال السنوات الماضية، قفزاتٍ كبيرةً على مستوى المناهج، والبيئات التعليميَّة، والتقنيات الحديثة، وجودة العمليَّة التعليميَّة وتنوُّع أدوات التعلُّم المُتاحة للطُّلاب والطَّالبات، ومن هنا يبرز تساؤل حول توقيت الاختبارات هذا العام، فهي لا تتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة فحسب، وإنَّما تتقاطعُ أيضًا مع حدثٍ رياضيٍّ عالميٍّ يحظى باهتمامٍ واسعٍ يتمثَّل في مشاركة المنتخب السعوديِّ في كأس العالم، ولا شكَّ أنَّ وزارة التَّعليم تضعُ العديد من الاعتبارات عند إعداد التقويم الدراسيِّ، ولهذا يبقى الأملُ قائمًا في دراسة مثل هذه الملحوظات مستقبلًا بما يحقق مزيدًا من التَّوازن بين المتطلَّبات التعليميَّة، والظروف المناخيَّة، والمناسبات الوطنيَّة التي تستحوذ على اهتمام المجتمع.

وأنا أتابعُ هذا الحديث تذكَّرتُ أيَّام الاختبارات قبل سنوات طويلة، لم تكن لدينا منصَّات تعليميَّة، ولا مكتبات رقميَّة، ولا تطبيقات تختصر الدروس في دقائق معدودة، كان الطالبُ يبحثُ عن المعلومة بوسائل أبسط، وإمكانات أقل، ويبذل جهدًا أكبرَ للوصول إليها، ومع ذلك لسنا نتحسَّر على صعوبة الدِّراسة قديمًا، ولا نقلِّل من مزايا التكنولوجيا اليوم، فطلابُ هذا العصرِ يعيشُون فرصًا تعليميَّةً كبيرةً لم تتح للأجيال السَّابقة، وما وفَّرته الدولة من تطوير للتعليم والمناهج وبيئات التعلُّم يستحق التَّقدير.
ما نفتقده حقًّا ليس الكتاب، ولا الدفتر، ولا طريقة المراجعة، وإنَّما تلك التفاصيل الصَّغيرة التي كانت تمنح البيوت دفئًا مختلفًا في مواسم الاختبارات، كانت الأُمُّ تعرف جدول الاختبارات أكثر من أبنائها أحيانًا، والأب يسأل عن كلِّ مادة، والأشقاء يدركُون أنَّ في المنزل طالبًا ينتظرُ صباحًا مهمًّا، كانت الأسرةُ كلُّها تعيشُ الاختبار، وتنتظرُ نهايته، وتفرحُ بالنجاح وكأنَّه إنجازٌ للجميع، أتذكَّر ليالي الاختبارات أكثر ممَّا أتذكَّر بعض نتائجها، أتذكَّر دعوات الأُمَّهات، وانتظار الآباء، وأحاديث ما بعد العودة من المدرسة، وأتذكَّر أنَّ نجاح الابن كان مناسبةً تخصُّ الأُسرة كلها.

وربما لهذا السبب قادتني ذاكرةُ الاختبارات إلى التفكير في العلاقات الأسريَّة. فالخير موجود، والترابط حاضر في كثيرٍ من الأُسر، ولا يجوز التَّعميم، لكن أشياء كثيرة تغيَّرت، الزيارات أقل، وبعض الخلافات امتدَّ بها العمر أكثر ممَّا تستحق، وأصبحت «وسائل التواصل»، بديلة عن المجالس واللقاءات العائليَّة، كم من أشقاء فرَّقتهم قضيةُ إرثٍ، وكم من أقارب ابتعدُوا؛ بسبب موقفٍ عابرٍ؟! وكم من علاقات انقطعت؛ بسبب سوء ظنٍّ، أو كلمة قِيلت في لحظةِ غضبٍ.
ولو تأمَّل الإنسانُ قليلًا؛ لاكتشف أنَّ الحياة أقصرُ من أنْ تُستهلك في الخصومات الطويلة، الأبُ لا يتكرَّر، والأمُّ لا يعوِّضها أحدٌ، والأخُ مهما اختلفنا معه يبقى جزءًا من العُمر، والأختُ تبقى ذكرى جميلةً في كلِّ مراحل الحياة، وقد لا يكون تجاوز الجراح أمرًا سهلًا عند الجميع، فلكلِّ إنسان ظروفه وطبيعته ومشاعره، لكن التفكير في قيمة هؤلاء الأشخاص يكفي أحيانًا لإعادة النَّظر في كثير من المواقف، فكم من إنسان رحل وبقيت بعده أمنية واحدة فقط: لو عاد الوقتُ قليلًا لنتجاوز خلافًا لم يكنْ يستحقُّ كل تلك المسافة.
* نقطة تحت السطر:
قد ينسى الإنسان بعد سنوات درجاته في الاختبارات، لكنه لا ينسى بيتًا احتضنه، وأُمًّا دعت له، وأبًا انتظر عودته، وعلاقات أسرية كانت أثمن من كثير من النجاحات.
@Idrees2030E

أخبار ذات صلة

الصناعة.. المحرك الأساس لتقدم الدول
«الصحبة يا رسول الله»
تعفن الدماغ
الكفاءة أولًا.. والفرصة لمن يستحق!
;
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
لعبة الكراسي الموسيقية فوق رماد الحروب
حين تصمت المدافع وتتكلم الأرقام
الكرة.. لعبة المساكين
تحت مظلَّة السعودة
;
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
;
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة
حين صار الحلمُ كرةً.. وصارت الأرضُ مدرّجًا