كتاب

عام جديد.. ونبضات متعبة

يطلُّ علينا العامُ الهجريُّ الجديدُ 1448، ونحنُ لا نغادرُ عامًا عاديًّا، بل نعبرُ من سنةٍ مثقلةٍ بالأحداثِ المشتعلة، والأسئلة المفتوحة، والقلق الذي صار خبزًا يوميًّا على موائد الأخبار. فالبداياتُ، مهما بدت رمزيَّةً، تمنحُ الإنسان فرصةً؛ ليعيد ترتيب ذاكرته ورجائه؛ غير أنَّ الذَّاكرة هذه المرَّة لا تأتي خفيفةً، بل تحملُ معها صور غزَّة، وهي تبحثُ عن هدنةٍ لا تشبه السَّلام الكامل، وسوريا، وهي تحاولُ أنْ تخرجَ من ركامٍ طويلٍ إلى احتمال دولةٍ أكثر أمنًا، ولبنان، وهو يختبرُ معنى استعادة التَّوازن بعد فراغٍ سياسيٍّ وأزماتٍ متراكمةٍ، والسودان، وهو يواصلُ دفعَ الثَّمن الإنسانيِّ الفادح لحربٍ أنهكت النَّاس قبل المؤسَّسات.
منذ العام الماضي، لم تكن السياسةُ بعيدةً عن حياة النَّاس، بل دخلت بيوتهم من أبواب الغلاء، والنُّزوح، وانقطاع الخدمات، والخوف على الأبناء.

في فلسطين، لم تعد الأخبارُ أرقامًا عابرةً، بل وجوهًا وأسماءَ وبيوتًا مهدَّمةً وأسئلةً عن العدالة.
وفي البحر الأحمر واليمن، أصبح الممرُّ البحريُّ عنوانًا لصراعٍ يتجاوز الجغرافيا المحليَّة إلى أمنِ التجارة والطَّاقة وموازين القوى.

أمَّا المواجهاتُ الإقليميَّة، والتوتر بين إيران وإسرائيل، فقد ذكَّرا العالم بأنَّ شرارةً واحدةً تكفي لتهديد منطقة بأكملها، وأنَّ الشرق الأوسط لا يزالُ يقف على حافَّة اختبارٍ دائمٍ بين الحرب والتَّسوية.
لكنَّ العالم العربي، رغم أثقاله، لا يعيشُ السياسة بوصفها قدرًا مغلقًا فقط. فهناك أيضًا محاولات لإعادة بناء الدَّولة في أكثر من مكان، ومسارات دبلوماسيَّة تبحثُ عن مخارج، وأصوات شعبيَّة تطالبُ بالكرامة والخدمات والحق في حياة أقل قسوة. وقد بدا واضحًا أنَّ المواطنَ العربيَّ لم يعدْ يسأل عن الشِّعارات الكُبْرى وحدها، بل عن معنى الأمن في الحيِّ، والخبز على الطاولة، والمدرسة المفتوحة، والمستشفى القادر على استقبال المرضى، وعن دولةٍ تحميه، لا تتركه وحيدًا في مواجهة المصير.
وفي مقابل هذه الصُّورة العربيَّة القلقة، لم يكن العالم أكثر طمأنينةً. تبدَّلت التحالفاتُ، وارتفعت لغةُ المصالح، وعادت المنافساتُ الكُبرى بين القوى الدوليَّة لتضغط على الأقاليم الصَّغيرة. ما يحدثُ في منطقتنا لم يعد معزولًا عن واشنطن، وموسكو، وبكين، والعواصم الأوروبيَّة، فالقرارُ المحليُّ صار يتأثَّر بالحسابات الدوليَّة، كما أنَّ الحروب الصَّغيرة تكشف هشاشة النِّظام العالميِّ حين يتأخَّر في إنقاذ المدنيِّين، أو يختلف حول تعريف العدالة.
وسط ذلك كلِّه، يأتي العامُ الهجريُّ الجديدُ، لا ليعدنا بمعجزةٍ سياسيَّةٍ، ولا ليغسل آثارَ سنةٍ مضت بجرَّة تقويمٍ، بل ليذكِّرنَا بأنَّ الهجرةَ في معناها الأعمق، انتقالٌ من الخوفِ إلى السَّعي، ومن الانكسارِ إلى محاولةِ الوقوف، ومن انتظارِ الفرج إلى صناعة ِأسبابِه. فالهجرةُ لم تكن هروبًا من التَّاريخ، بل بداية تاريخ جديد، وهذا ما نحتاجه اليوم: أنْ تتحوَّل بداياتُنا من تهانٍ متبادلةٍ إلى مراجعةٍ صادقةٍ، ومن أمنياتٍ نكتبُها في الرَّسائل إلى إرادةٍ نبنِي بها السَّلامَ والعدلَ والمؤسَّسات.
لعلَّ أجملَ ما يمكن أنْ نستقبل به 1448، أنْ نخفِّف من ضجيج الخطابات، ونُصغي أكثر إلى الإنسان: إلى الطِّفل الذي يريدُ أنْ ينام بلا قصفٍ، واللاجئ الذي يريدُ وطنًا لا خيمةً، والمريض الذي يريدُ دواءً، والشَّاب الذي يريدُ مستقبلًا لا منفذًا للهجرةِ القسريَّة. فإذا كان العام الجديد صفحة بيضاء، فإنَّ مسؤوليتنا ألَّا نتركها للرصاص وحده؛ كي يكتبها، بل أنْ نمنحها حبرًا من الحكمة، وشيئًا من الرحمة، وكثيرًا من الإصرار على أنَّ عالمنا العربيَّ يستحقُّ عامًا أقلَّ ألمًا وأكثرَ حياةً.

أخبار ذات صلة

حفل تخرج الروضة!!
الإنسان قبل أن تسبقنا الآلة
الجمهور الداخلي.. الحلقة المنسية في الدبلوماسية العامة
رحلة الشيخ عبدالله العباسي إلى الحج
;
جبل عمر أيقونة التاريخ والاستثمار.. إلى أين؟
حين يصبح التسول مهارة وظيفية!
مَن يتذكَّر أرقام الجلوس؟!
حين يدفع الوطن أجر الألم
;
من منح العقل والبصيرة
من القرش الأبيض.. إلى عيش اللحظة!
كيف يرمم التطوع مناعتنا الاجتماعية؟
وطن يشارك أبناءه الفرح
;
حـــــظ
رجال حول الأمير (2)
ميزان المصالح.. والمعادلة الحرجة
هكذا نضمن نجاح الموسم السياحي