كتاب
هل تغيّرت الثقافة.. أم تبدّلت أدواتها؟!
تاريخ النشر: 04 أغسطس 2026 23:49 KSA
في النصف الأول من القرن الماضي، وحين بدأت الصحافة اليومية والإذاعة تسحب البساط من تحت أدوات الثقافة السائدة آنذاك، وفي مقدمتها الكتب والمجلدات الضخمة، شاعت حالة من الهلع بين مثقفي الصالونات المغلقة.. فقد كانوا يرون في هذه الوسائط السريعة والشعبية خطراً يهدد عمق الثقافة ورصانتها.. لكن عميد الأدب العربي، طه حسين، أدرك حينها بوعيه الاستباقي أن «البرج العاجي» لتلك النخب سائر نحو السقوط، وأن على المثقف أن يذهب للناس لا أن ينتظرهم.. وهكذا وُلدت فكرة مقالاته الصحفية الشهيرة «حديث الأربعاء»، التي تناول فيها أعقد قضايا الشعر الجاهلي والأدب القديم، بلغة صحفية يقرأها المواطن العادي، مما عرضه لهجوم شرس من بعض النخب التي اتهمته بـ»الابتذال وتسطيح المعرفة»، لكن نجاح تجربته كان خير رد عليهم؛ فهو لم يتنازل عن عمقه الفكري، بل غيّر القالب الذي يقدمه به للناس.]
تعنّ في خاطري هذه القضية، كلما زادت وتيرة التحولات الثقافية التي تعصف بمجتمعاتنا اليوم، وتُعيد تشكيل وعينا الجمعي عبر شاشات الهواتف المتنقلة والمنصات الرقمية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حين يكرر علينا ذات التساؤل: هل فقدت الثقافة بريقها؛ وتدنى مستواها في عصرنا؟.
كثيراً ما يتردد على مسامعنا رثاء لحال الثقافة، واعتقاد متوارث بأن مستواها يتراجع جيلاً بعد جيل.. وربما يعود جانب من هذا الشعور إلى أننا نقيس ثقافة اليوم بأدوات الأمس؛ فنتحسر على تراجع قراءة الكتب المطولة، ولا نلتفت إلى أن المعرفة نفسها انتقلت إلى قوالب أخرى، كالبودكاست والأفلام الوثائقية والمنصات الرقمية.. لذلك قد لا يكون ما نشهده «سقوطاً عمودياً» للثقافة بقدر ما هو «توسع أفقي» في أدواتها ووسائل تلقيها.. لكن هذا الاتساع حمل معه وجهاً آخر؛ فمع تراجع دور «حراس البوابة» التقليديين، أصبحت الساحة مفتوحة للجميع، وطفا الغث والسمين معاً على السطح.. ولأن المحتوى السطحي أكثر قدرة على إحداث الضجيج، نشأ ذلك الانطباع الخادع بأن الثقافة الجادة قد تراجعت أو اختفت.
لقد ساعدت الأدوات الرقمية على توسيع مفهوم الثقافة؛ فلم تعد محصورة في الأدب والفلسفة والعلوم التقليدية، بل برزت الثقافة التقنية والإدارية والمالية والطبية والنفسية، بوصفها أجزاءً من الوعي المجتمعي.. كما تغيرت عادات التلقي، وأصبح القارئ أكثر ميلاً إلى الفكرة المكثفة والوجبة الفكرية السريعة والمحتوى المرئي.
لم يكن للمثقف أن يظل قابعاً في برجه يكتفي بالتنظير، بعد أن وجد نفسه مدفوعاً للنزول إلى الساحة المفتوحة، ليدخل في مزاحمة شرسة مع «صُنّاع المحتوى» والمؤثرين الجدد.. وأصبح يُطلب منه أن يكون ابن واقعه، ملتحماً بالقضايا اليومية، ومشاركاً فاعلاً في البناء المؤسسي والتنموي.
الثقافة العميقة لا تزال موجودة، لكنها توارت قليلاً خلف ضجيج المحتوى السريع، الذي أتقن أصحابه استخدام أدوات العصر والوصول إلى الناس.. لذلك لم يعد كافياً أن يمتلك المثقف المعرفة، ثم ينتظر أن يبحث الناس عنه؛ بل عليه أن يمسك بخطام هذه الأدوات، ويطوعها لخدمة قضاياه وأفكاره.. تماماً كما فعل طه حسين في زمنه، حين غيّر وسيلة الوصول إلى الناس، دون أن يتنازل عن جوهر ما يقدمه وعمقه.
تعنّ في خاطري هذه القضية، كلما زادت وتيرة التحولات الثقافية التي تعصف بمجتمعاتنا اليوم، وتُعيد تشكيل وعينا الجمعي عبر شاشات الهواتف المتنقلة والمنصات الرقمية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، حين يكرر علينا ذات التساؤل: هل فقدت الثقافة بريقها؛ وتدنى مستواها في عصرنا؟.
كثيراً ما يتردد على مسامعنا رثاء لحال الثقافة، واعتقاد متوارث بأن مستواها يتراجع جيلاً بعد جيل.. وربما يعود جانب من هذا الشعور إلى أننا نقيس ثقافة اليوم بأدوات الأمس؛ فنتحسر على تراجع قراءة الكتب المطولة، ولا نلتفت إلى أن المعرفة نفسها انتقلت إلى قوالب أخرى، كالبودكاست والأفلام الوثائقية والمنصات الرقمية.. لذلك قد لا يكون ما نشهده «سقوطاً عمودياً» للثقافة بقدر ما هو «توسع أفقي» في أدواتها ووسائل تلقيها.. لكن هذا الاتساع حمل معه وجهاً آخر؛ فمع تراجع دور «حراس البوابة» التقليديين، أصبحت الساحة مفتوحة للجميع، وطفا الغث والسمين معاً على السطح.. ولأن المحتوى السطحي أكثر قدرة على إحداث الضجيج، نشأ ذلك الانطباع الخادع بأن الثقافة الجادة قد تراجعت أو اختفت.
لقد ساعدت الأدوات الرقمية على توسيع مفهوم الثقافة؛ فلم تعد محصورة في الأدب والفلسفة والعلوم التقليدية، بل برزت الثقافة التقنية والإدارية والمالية والطبية والنفسية، بوصفها أجزاءً من الوعي المجتمعي.. كما تغيرت عادات التلقي، وأصبح القارئ أكثر ميلاً إلى الفكرة المكثفة والوجبة الفكرية السريعة والمحتوى المرئي.
لم يكن للمثقف أن يظل قابعاً في برجه يكتفي بالتنظير، بعد أن وجد نفسه مدفوعاً للنزول إلى الساحة المفتوحة، ليدخل في مزاحمة شرسة مع «صُنّاع المحتوى» والمؤثرين الجدد.. وأصبح يُطلب منه أن يكون ابن واقعه، ملتحماً بالقضايا اليومية، ومشاركاً فاعلاً في البناء المؤسسي والتنموي.
الثقافة العميقة لا تزال موجودة، لكنها توارت قليلاً خلف ضجيج المحتوى السريع، الذي أتقن أصحابه استخدام أدوات العصر والوصول إلى الناس.. لذلك لم يعد كافياً أن يمتلك المثقف المعرفة، ثم ينتظر أن يبحث الناس عنه؛ بل عليه أن يمسك بخطام هذه الأدوات، ويطوعها لخدمة قضاياه وأفكاره.. تماماً كما فعل طه حسين في زمنه، حين غيّر وسيلة الوصول إلى الناس، دون أن يتنازل عن جوهر ما يقدمه وعمقه.