
يعود مهرجان التمور الدولي في عنيزة كل عام، وكأنه عيد تعرف المدينة موعده بقلبها؛ فتتهيأ له البيوت، وتترقبه الوجوه، وتستقبل أرض النخيل زوارها بفرح يشبه لقاء الأحبة بعد غياب. أحب في هذا المشهد تلك الألفة التي تجمع الناس حول ثمرة عرفناها على موائدنا منذ الطفولة. للتمر في ذاكرتنا طعم البيت، ويد الأم، وفنجان القهوة، وكرم الباب المفتوح. وحين تحتفي به عنيزة، أشعر أنها تجمع هذه الذكريات كلها، وتمنحها مكانًا بين أصوات السوق وحركة العابرين. أتأمل المزارع واقفًا بجوار محصوله، فأفكر في الصباحات التي قضاها
سافرت مع حفيدتي ود إلى الأحساء لحضور مهرجان اللومي، فكانت الرحلة فرصة لنكتشف معًا كم يستطيع الوطن أن يدهشنا. كنت أحمل معرفتي القديمة بثمرة ألفناها في بيوتنا، وأرى بجانبي جيلا سيضيف إلى هذه المعرفة ما لم يخطر لنا يومًا على بال. عرفنا الليمون بحامضه وحلوه، وحفظت موائدنا نكهته، لكن اللومي في الأحساء يروي اليوم حكاية أوسع؛ أكثر من اثنين وستين منتجًا تنبثق من هذه الثمرة، وتكشف كيف تلتقي خبرة المزارع بخيال المبتكر. كل منتج يمنح المحصول استخدامًا جديدًا، ويمنح صاحبه فرصة ليبني مشروعًا يحمل اسمه وملامح
نشأنا في زمن كانت فيه المعلومة تحتاج إلى صبر. نبحث عنها في مجلدات الإنسيكلوبيديا، نقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، ونضع علامات بين السطور حتى نعود إليها عند الحاجة. كانت المعرفة تصل ببطء، وأحيانا نكتشف أن جزءا منها أصبح قديما، فيما كانت المصطلحات التقنية تأتينا غالبا باللغة الإنجليزية، فنترجمها ونحاول أن نفهم عالما يتغير أسرع منا. واليوم تبدل المشهد تماما.. أصبحت المعلومة تصل إلينا محدثة قبل أن يرتد إلينا طرفنا، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من يومنا؛ نكتب به، ونصمم، ونصنع الصورة والفيديو، ونحول
بعض الجوائز تمنح اسمًا، وبعضها يصنع للاسم خلودًا. وجائزة الملك فيصل، منذ أن بدأت رحلتها، لم تكن تبحث عمن يقف تحت الضوء، بل عمن أشعل الضوء للآخرين؛ عالمًا أضاف إلى المعرفة، وأديبًا وسع نافذة اللغة، وباحثًا أمضى عمره يطرق باب السؤال حتى فتح له، وإنسانًا جعل من خدمة الإسلام والناس معنى لحياته. واليوم، مع فتح باب الترشيح للدورة الخمسين لعام 2028، لا تعلن الجائزة عن دورة جديدة فحسب، بل تفتح صفحة أخرى من كتاب سعودي أصبح يقرأ في العالم كله. نصف قرن، والجائزة تمضي بهدوء الكبار، راسخة في مكانتها
في السعودية، لا يحتاج العمل الإنساني إلى يوم واحد كي نتذكره؛ فهو حاضر في تفاصيل حياتنا، في يد تمتد لمريض، وفي أسرة تستعيد الأمل، وفي محسن يبحث عن باب موثوق يصل من خلاله عطاؤه إلى من يستحق. ومن هنا جاء تحول منصة «إحسان» إلى مؤسسة إحسان للعمل الخيري ليحمل دلالة أكبر من مجرد تغيير في الاسم أو الصفة؛ إنه انتقال بالعطاء من منصة ناجحة إلى مؤسسة للأثر والاستدامة، ورسالة بأن الخير حين تحيط به الحوكمة والثقة والتنظيم يصبح أوسع وصولا وأبقى أثرا. عشت سنوات في العمل الإنساني، وتعلمت خلالها ألا أتذكر
كنا نسافر إلى لندن، فنمشي في شارع أكسفورد بشيء من الدهشة، نتأمل الواجهات اللامعة، ونحفظ أسماء العلامات العالمية، ثم نعود إلى السعودية وفي حقائبنا ما أعجبنا من هناك. أما اليوم، فقد تغيرت الحكاية. وفي سيلفريدجز، ذلك الاسم الذي طالما ارتبط في ذاكرتنا بالفخامة البريطانية، تقف علامات سعودية بثقة، حاملةً ذوق السعودية، وروح شبابها، وطموح جيل قرر ألا يكتفي بمشاهدة العالم، بل أن يكون جزءًا من صناعته. حين ترى اسمًا سعوديًا بين أشهر العلامات العالمية، تدرك أن الأمر يتجاوز كونه منتجًا معروضًا على رف؛ إنه
قبل أن ينشر لي أول مقال في الصحف، كان هناك رجل يقف خلف كاتبة السطور، يضيء لها الطريق كلما تعثرت، ويمنحها من ثقته ما يفوق ثقتها بنفسها. لم أنس فضله، ولا يزال اسمه يحضر في خاطري كلما نشر لي مقال. كان تخصصي الأدب الإنجليزي، وكانت لغتي العربية يومها ضعيفة، لكن شغف الكتابة كان أقوى من التردد. حملني ذلك الشغف إلى التواصل مع معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر، رحمه الله، وكان قلبه كبيرا يشبه قارة، تتسع أبوابه للمواهب الصغيرة، وتجد عنده الكلمة الناشئة مكانا آمنا لتنمو. أرسلت إليه مقالي الأول عبر جهاز
غادرت شقراء نحو مدينة القصب، وأنا أظن أنني ذاهبة لرؤية مملحة، فإذا بي أصل إلى حكاية كاملة كتبها الملح على وجه الأرض. كان البياض ممتدا أمامي كأنه صفحة لم تمسها يد، وكانت الشمس تنثر فوقه ضوءا يجعل المكان بين حلم وصحو، وبين صمت قديم وحياة تتجدد. وقفت أمام مملحة القصب، وتأملت كيف استطاع أهل المدينة أن يحولوا قسوة الطبيعة إلى رزق، والملوحة إلى ذاكرة، والبياض إلى تجارة. لم يكن الملح هنا مجرد مادة تضاف إلى الطعام، بل مهنة توارثتها الأيدي، وهوية حفظتها مدينة القصب، وموردا يفتح أبواب الاستثمار والسياحة
ذهبت إلى شقراء وأنا أظن أن الفلفل ثمرة صغيرة تختصر حضورها في مذاق حار، فاكتشفت أن بعض الثمار أكبر من حجمها، وأن الأرض حين تحب أبناءها تمنحهم ما يكفي لصناعة الحكاية. في شقراء، لا يأتي موسم الفلفل عابرا على تقويم الزراعة، بل يجيء في أشهر الصيف مثل موعد تعرفه الأرض وتحفظه الذاكرة. في يوليو وأغسطس تبلغ الثمرة ذروة نضجها، وتمتلئ المزارع بلون أخضر يشبه البشارة، فيقام المهرجان حيث ينبغي له أن يكون: في قلب الموسم، وبين أيدي المزارعين، وتحت دهشة الزوار. ولفلفل شقراء شخصية لا تخطئها الحواس؛ حرارة واضحة،
دخلت إحدى أمسيات الشريك الأدبي وأنا أحمل في ذاكرتي صورة قديمة عن الأمسيات الثقافية؛ مقاعد محدودة، وجمهور يعرف بعضه بعضًا، وحديث يدور بين النخبة. لكنني خرجت بصورة أخرى تمامًا. رأيت وجوهًا من مختلف الأعمار، وطلابًا وأسرًا ومهتمين، يجلسون بشغف ليستمعوا إلى قصيدة، أو يتأملوا نصًا نثريًا، أو يناقشوا فكرة ولدت بين سطور كتاب. في تلك الليلة أدركت أن الشريك الأدبي لم يكن مجرد مشروع ثقافي، بل كان جسرًا أعاد الأدب إلى الناس، وأعاد الناس إلى الأدب. جعل الشعر ينزل من رفوف المكتبات إلى نبض الحياة، وجعل النثر
كان والدي، رحمه الله، يحدثنا في طفولتنا عن أحد أفراد العائلة الذي يقيم في فرسان. كنا نصغي إليه باهتمام، غير أننا لم نكن نعرف موقع فرسان أو كيفية الوصول إليها، فبدت لنا آنذاك اسمًا يطفو على سطح البحر أكثر مما يستقر على الخرائط. رحل والدي، وبقيت كلماته عالقة في الذاكرة، تنتظر لحظة تحققها. ومضت الأعوام حتى حان موعد اللقاء الذي كتبته الأقدار. وعند وصولي إلى جزر فرسان، كان من دواعي سروري أن أزور منزل الأديب والكاتب إبراهيم مفتاح، ذلك البيت الذي يجسد أصالة جازان وكرم أهلها، حيث يلتقي دفء الإنسان بعبق
كان المسافر يطالع صور السعودية من بعيد؛ جبالها الشامخة، وبحارها الممتدة، وصحاريها التي تحفظ ذاكرة المكان، ومدنها التي تجمع بين عبق التاريخ وروح المستقبل. واليوم، لم تعد زيارة السعودية حلما مؤجلا، فقد أصبحت الرحلة إليها أسهل وأقرب، مع إطلاق مسار ميسر للتأشيرات السياحية ضمن باقات سفر متكاملة. وتتميز التأشيرة الجديدة بأنها تجمع إجراءات التأشيرة وحجز الطيران والإقامة في خطوة واحدة عبر شركات السفر والسياحة المعتمدة، مما يوفر على الزائر الوقت والجهد، ويقلل من تعدد المنصات والإجراءات. كما تمنحه مرونة
في مكة المكرمة التي نشأتُ فيها، لم تكن الأوقاف لافتةً على جدار، بل كانت جدارًا يسند ذاكرة المكان. كنا نمضي في الحارات القديمة، فنقرأ أسماء الواقفين كما نقرأ أسماء الغائبين الحاضرين؛ رحلوا بأجسادهم، وتركوا خيرهم يمشي بين الناس. كبرت وأنا أظن أن الوقف دارٌ تُؤجر، أو متجرٌ تُصرف غلته، أو بابٌ من البر لا يغلق. حتى كانت زيارتي إلى هيئة الأوقاف في الرياض، فإذا بالمعنى يتسع، وإذا بالخير الذي عرفته في مكة يلبس ثوب الحوكمة والنظام والاستدامة. هناك أدركت أن الوقف اليوم لم يعد نيةً طيبة وحدها، بل منظومة
حين تنهض السعودية، لا ترفع صوتها كثيراً؛ يكفي أن تشير إلى الجبيل وينبع ورأس الخير وجازان، فتتكلم المداخن، وتبوح الموانئ، وتشهد الطرق والواجهات والحدائق أن الحلم إذا سكن الأرض صار مدينة. هنا، في الهيئة الملكية للجبيل وينبع، لا تبدو الصناعة حديداً وأسمنتاً فحسب، بل حياة تمشي باسم السعودية؛ مدرسة تفتح بابها، مستشفى يمد يده، شاطئ يحتضن العائلة، ومصنع يكتب في دفاتر المستقبل اسم المملكة بحبر الثقة. خمسة عقود وأكثر، والهيئة لا تجمع الأرقام لتتباهى، بل لتؤكد أن الإرادة السعودية تعرف كيف تصنع المعجزة
عرفت هنيدة صالح صيرفي من بداياتها الأولى، يوم كان الحلم في عينيها أكبر من الطريق، ويوم كان الشغف يسكن أصابعها قبل أن يلامس القماش. لم تكن هنيدة تبحث عن تصميم عابر، ولا عن فستان يمرّ في ذاكرة مناسبة، بل كانت تنسج من إحساسها حكاية، ومن ذوقها هوية، ومن صبرها بابًا واسعًا نحو الضوء. كنت أراها تكبر في عالم الموضة كما تكبر الزهرة حين تجد ماءها، وكما ينهض الحلم حين يؤمن به صاحبه. كانت مختلفة؛ لا تشبه إلا نفسها، ولا تستعير حضورها من أحد. في كل قطعة تصممها، كان هناك قلب سعودي، وذوق مترف، وامرأة تعرف أن
ليست كل الأنظمة بنودًا جامدة، وليست كل اللوائح أرقامًا صامتة؛ فبعض الأنظمة تولد من قلب الرحمة، وتكبر في ظل وطن يعرف أن الإنسان قبل كل شيء. في القطاع الخاص، قد يجد مريض الفشل الكلوي نفسه بين واجبين ثقيلين: واجب العلاج وواجب العمل. اثنا عشر يومًا من كل شهر قد تمضي على كرسي الغسيل الكلوي، حيث لا يملك الجسد رفاهية التأجيل، ولا يملك المريض خيار الغياب أو الحضور. ومع أربعة أيام من إجازاته الشهرية، يصبح الغياب ستة عشر يومًا، لكنها أيام لا تشبه الغياب؛ إنها مواعيد مع الحياة. هنا يحضر صندوق تنمية
في مساء دافئ من مساءات العائلة، جاءني حفيدي، وفي عينيه سؤال يلمع مثل مصباح صغير. قال: هل تعلمين كم بلغت أسعار تذاكر كأس العالم؟ لم أتوقف عند الرقم، بل عند ذلك السرّ العجيب! كيف استطاعت قطعة من جلد منفوخ أن تجعل الأرض كلّها تهتز، وأن تصنع من الملاعب مدنًا للدهشة، ومن المدرجات بحارًا من الوجوه والقلوب؟ قلت له: يا صغيري، كأس العالم ليس كرة تركض بين أقدام، بل حكاية الإنسان حين يبحث عن فرح لا يعرف الحدود. الناس لا يشترون مقعدا في ملعب فقط، إنهم يشترون لحظة ينسون فيها تعب الأيام، ويدفعون ثمن الصرخة
في مكة، لا يأتي الحج فجأة، ولا يبدأ في يوم التروية وحده، ولا ينتهي بانصراف آخر حاج من المشاعر. الحج في هذه البلاد يبدأ مبكرًا؛ في وثيقة تُسلّم، وفي موعد يُحترم، وفي خطة تُرسم، وفي عين مسؤول تعرف أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مهمة موسمية، بل شرف يتجدد كل عام. والحج ليس أكبر تجمع بشري فحسب، بل مشهد إيماني فريد، تتحرك فيه ملايين البشر وفق مواقيت ثابتة لا يضعها المنظمون، ولا يملكون تغييرها. هنا تكمن فرادة المشهد، وهنا تتضاعف صعوبة إدارة الحشود؛ لأن الزمن في الحج جزء من النسك، والمكان جزء من الطمأنينة،
كل عام، تفتح المملكة العربية السعودية ذراعيها لملايين الحجاج القادمين من كل بقاع الأرض، مستقبلةً إياهم بمنظومة خدمات لا تتوقف، ورعاية إنسانية متطورة، فخدمة ضيوف الرحمن رسالة راسخة تتجدد مع كل موسم حج، وتزداد عمقًا وشمولًا عامًا بعد عام، وتعكس حجم المسؤولية، التي تتحملها المملكة بكل فخر واعتزاز. ولا تدخر المملكة جهدًا في تسخير إمكاناتها لراحة الحجاج، من خلال بنية تحتية ضخمة تشمل طرق وأنفاق ومواصلات منظمة، ومنشآت حديثة تستوعب ملايين البشر في آنٍ واحد، وهذا الاستعداد الهائل ثمرة تخطيط دقيق على
كنا قبل أن تبدأ الإجازة، نعلّق قلوبنا على حقائب السفر، ونفتح خرائط بعيدة كأن الفرح لا يكتمل إلا خارج حدودنا، وكأن البحر الأجمل لا يلوّح إلا من ضفةٍ أخرى، وكأن الجبل لا يرتفع إلا بعيدًا عن ظلّ نخيلنا. كان السؤال القديم يبدأ مع آخر أيام الدراسة: إلى أين نسافر؟ واليوم، كلما عزمنا على السفر، يعود السؤال بثوبٍ جديد: ماذا نختار؟ وأي جمالٍ نبدأ به؟ فالإجابة لم تعد وجهة واحدة، بل وطن كامل يمدّ يده للدهشة. جزر البحر الأحمر تلمع كعقدٍ أزرق على صدر الصيف، وفرسان تنثر ملح البحر على ذاكرة المكان، وأملج تفتح