
من الطقوس التي لا يكاد يخلو منها مجلس من مجالسنا؛ التحسُّر على الماضي، والتوجّد على ما نسميه «زمن الطيبين»، وترديد عبارات مثل: كانت الحياة أجمل، والقلوب أنظف، والبيوت أدفأ.. حتى التعليم والصحة والكثير من الخدمات، هناك من يرى أنها انحدرت! حتى أصبح تمجيد الماضي سُنّة متواترة؛ نتناقلها، دون أن ننتبه إلى أننا حين نصف الماضي بـ «زمن الطيبين»، فكأننا نحكم على حاضرنا، بأنه «زمن الأشرار»، أو زمن الرداءة!. المفارقة اللافتة أن هناك إجماعاً بأن الحياة التي نشتاق إليها كانت قاسية، محدودة الخيارات
قبل سنوات، انتشر مقطع لطفل في الصف الأول الابتدائي، يبكي أمام معلِّمه؛ لأنَّه لا يعرف القراءة والكتابة، وأخذ يردِّد بتوسُّل محزن: «أتعلَّم في البيت وأجيك»، في تخلٍّ واضح من المعلِّم عن دوره، وكأنَّ البيت هو مكان التعلُّم وليس المدرسة!. مضت الحادثة، وربما أصبح الطفل اليوم أفضل كتابةً من كثيرين يملأون وسائل التواصل بأخطائهم، لكن عبارته بقيت في الأذهان؛ لأنَّها لخَّصت فلسفة اجتماعيَّة وإداريَّة تتبعها جهات كثيرة للأسف الشديد: (اذهب وتعلَّم وحدك.. ثمَّ تعال إلينا جاهزًا)!. كثيرون من حولنا وجدوا
في كل شهر هناك يوم مشهود في حياة الـموظف هو (يوم الراتب) المجيد.. ينزل المرتب، فتُدفع الفواتير والأقساط، وتُشترى احتياجات المنزل، وتُقضى بعض المتطلبات المؤجلة، وربما معها عشاء فاخر أو سفرة ماتعة احتفالًا بهذه المناسبة التي لا تحدث إلا مرة واحدة كل شهر.. والأهم هو أن (النفسية تزين) و(تخف الضغوط) ولو لأيام معدودة.. لكن سرعان ما ينظر بعدها معظمنا إلى حسابه، ويتساءل نفس السؤال المكرور: أين (طار) الراتب؟! لتبدأ مرحلة (الاقتصاد) الكئيبة، تليها أيام (التقشف) الأكثر كآبة، وربما تنتهي الأيام الأخيرة من
في العام 1945، تُوفِّي الشَّاعرُ العراقيُّ الكبيرُ معروف الرصافي، شُيِّع ودُفن في بغداد بما يليقُ بشاعرٍ مسلمٍ، وعروبيٍّ كبيرٍ، كانت قصائدُه الوطنيَّة تدرَّس في معظم البلدان العربيَّة.. ظنَّ النَّاسُ أنَّ صفحة الرصافي (الشَّاعر) قد طُويتْ للأبد، لكنَّ الرصافي (الكاتب)، كان قد ترك خلفه شيئًا لم يُدفَن معه.. مخطوطة كتابٍ يحملُ عنوانًا مثيرًا «الشخصيَّة المحمديَّة» به أفكارٌ صادمةٌ عن النبوِّةِ، والخلافةِ، والوحيِ، والصحابةِ.. ظلَّ الكتابُ بعيدًا عن عامَّة النَّاس عشرات السِّنين، حتَّى ظهر مطبوعًا
لم يكن (جهيمان) أول رجل في التاريخ يقنع أتباعه بأنهم الوحيدون على الحق، وأن العالم من حولهم قد ضل الطريق.. ويدفعهم إلى اقتحام المسجد الحرام في العام 1979 في مغامرة (خلاصية) دامية صدمت العالم الإسلامي كله، وأثارت سؤالاً كبيراً: «كيف استطاع رجل لم يتجاوز تعليمه النظامي الصف الرابع الابتدائي أن يقنع جموعاً من الناس، بينهم من يفوقه علماً وتعليماً، بفكرة تصل بهم إلى مصادمة مجتمع كامل والمخاطرة بحياتهم من أجلها؟». قبل جهيمان بعام واحد فقط، انتهت جماعة «معبد الشعوب» التي قادها الأمريكي (جيم جونز)
يقول أحد الأصدقاء: تعودت لسنوات على الصلاة في مكان بعينه داخل مسجد الحي، حيث أضع فيه حامل المصحف ومسبحتي الخاصة، ولأنني ولله الحمد كنت من المبكرين في الحضور، فقد كان المكان متاحًا لي في معظم الصلوات، حتى إني أصبحت اتجه إليه بطريقة آلية؛ ودون تفكير، بعد أن نشأت بيني وبينه ألفة جعلتني أشعر بأنه «مكاني» الذي لا ينازعني فيه أحد من العالمين!. ذات يوم تأخرت قليلًا، لأفاجأ برجل كبير في السن يجلس في مكاني بكل طمأنينة.. شعرت بضيق واستفزاز كبيرين وكأن حقاً من حقوقي قد اُغتصب!.. فكرت لوهلة بالتحدث معه،
في النصف الأول من القرن الماضي، وحين بدأت الصحافة اليومية والإذاعة تسحب البساط من تحت أدوات الثقافة السائدة آنذاك، وفي مقدمتها الكتب والمجلدات الضخمة، شاعت حالة من الهلع بين مثقفي الصالونات المغلقة.. فقد كانوا يرون في هذه الوسائط السريعة والشعبية خطراً يهدد عمق الثقافة ورصانتها.. لكن عميد الأدب العربي، طه حسين، أدرك حينها بوعيه الاستباقي أن «البرج العاجي» لتلك النخب سائر نحو السقوط، وأن على المثقف أن يذهب للناس لا أن ينتظرهم.. وهكذا وُلدت فكرة مقالاته الصحفية الشهيرة «حديث الأربعاء»، التي تناول
قبل أيام، أُسدل الستار على مونديال كأس العالم، وتُوِّج المنتخب الإسباني باللَّقب بعد بطولة استثنائيَّة، ليُسجِّل التاريخُ اسم بطل واحدٍ من بين (48) منتخبًا شاركوا في المنافسة. تُوِّجت إسبانيا كبطلٍ سيُخلَّد في التاريخ لأوَّل بطولة تُقام بهذا العدد، بينما انطفأت أضواء (47) فريقًا، وكأنَّها لم تكن يومًا جزءًا من الحكاية!. آلاف اللاعبين، والمدرِّبين، والأطبَّاء، والإداريِّين الذين أمضوا سنوات طويلة في الإعداد، وتحمَّلوا ضغوطًا هائلةً، تم اختزالهم في عبارة قاسية «لم يحقِّقوا شيئًا».. وهكذا هي
«مَن يستطيع إيهام الجماهير، يصبح سيِّدًا لهم، ومَن يحاول إزالة الأوهام من مخيلتهم، يصبح ضحيَّةً لهم». هذه المقولة للطَّبيب والفيلسوف الفرنسي (غوستاف لوبون) تعدُّ من أكثر المقولات التي لخَّصت جانبًا عميقًا من طبائع البشر، وأكثرها قربًا لواقعهم المعاش.. ولو تأمَّلت ما يدور حولنا، لازددت اقتناعًا بأنَّ المشكلة لم تكن يومًا في وجود مَن يبيعون الوهم، بل في إنجذاب الإنسان الفطريِّ إلى مَن يمنحه الشعور الذي يحبُّه ويرتاح إليه، أكثر من ميله إلى من يهديه الحقيقة التي يحتاجها!. هل لاحظت كم شخصًا يعدك
لديّ قناعة راسخة بأن الشعر النبطي السائد في جزيرة العرب هو الامتداد التاريخي الطبيعي للشعر الفصيح، وأن العلاقة بينهما ليست علاقة تشابه لفظي عابرة، بل علاقة نسب لغوي حقيقي؛ اختلف فيها اللسان واللهجة، وبقيت الروح والأغراض والقيم والجرس والسليقة الشعرية.. ولذلك لا أجد غرابة في أن أرى شعراء الجزيرة العربية المتأخرين، مثل ابن جدلان، والمسعودي، وبندر بن سرور، وبديوي الوقداني، امتدادًا لزهير وطرفة وأبي الطيب وجرير وغيرهم، من شعراء الحكمة والبيان والفروسية ومكارم الأخلاق؛ وإن اختلفت الأزمنة والألفاظ..
في السنوات الأخيرة اختلطت على كثير من الناس ثلاثة مفاهيم مختلفة، حتى بات البعض يتعامل معها وكأنها مفهوم واحد.. أول هذه المفاهيم هو (الكرامة الإنسانية) وهي - كما هو معلوم- حق أصيل لكل إنسان، لا يملك أحد أن يمنعه أو ينتقص منه.. وثانيها هو (الفرص العادلة)، وهي ما يجب أن يتساوى الجميع في الحصول عليه، بعيدًا عن التمييز أو المحاباة.. أما ثالثها فهو (المكافآت والامتيازات)، وهذه لا تُمنح لمجرد الرغبة أو المواطنة، بل لابد أن تُكتسب بالجهد، والكفاءة، والعمل. تبدأ المشكلة عندما يختلط المفهوم الثالث
الـ(خبلُ) في ثقافتنا الشعبيَّة، هو ذلك الشخصُ، المبتلَى بقلَّةٍ في العقلِ، وغرابةٍ في الأطوار والسلوك، وهذا النَّوع من البشر كان يُعامل بكثيرٍ من الشَّفقة والمداراة، ويُوارَى عن عيون الضُّيوف والأغراب والمجالس العامَّة؛ صيانةً لسمعة أُسرته، وخوفًا من جلب فضيحة تسيرُ بها الركبانُ، وتُعيَّر بها القبيلة أبد الدَّهر. كان هذا في زمنٍ مضى، أمَّا اليوم، وبعد أنْ تبدَّلت الأحوالُ، وأصبحت «الخبالة الإلكترونيَّة» إحدى أهم خوارزميَّات منصَّات التواصل الجالبة للمال والشهرة، وبعد تحوُّل معظم (الخبول) إلى
يروي أحدُ الأصدقاء، أنَّه عمل في بداية حياته الوظيفيَّة مع مديرٍ (طيِّب)، يتمتَّع بقلبٍ كبيرٍ، وعاطفةٍ أكبرَ.. وصادف وجودُه وجودَ موظًّفٍ ذي ذكاءٍ حادٍّ، لكنَّ ذكاءَهُ لم يكنْ في العمل، ولا في الإدارة، بل في استغلال هذا المدير، بما يمكن تسميته بـ(التسوُّل الوظيفيِّ)، حيث اكتشف هذا الموظَّف مبكِّرًا نقطة الضَّعف في النظام كلِّه، وهي هذا المدير (العاطفي)، فكان يعرفُ متى يُسمِعه قصائد الشَّكوى والتَّذمُّر، ومتى يعرض له أفلامَ حياتِه القاسية.. ومتى ما شعر أنَّ رصيده العاطفي بدأ ينخفض، (ألَّف)
حين يُذكر (الاقتصاد)، تتجه الأذهان عادة إلى الحكومات؛ والشركات الخاصة، بينما يغيب عن كثيرين وجود شريك ثالث لا يقل أهمية عنهما، وهو (القطاع غير الربحي) الذي تمثله الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية والوقفية.. فاقتصاديات الدول الغنية لا تقوم على ركيزتين فقط، بل على أعمدة ثلاثة متكاملة، قطاع حكومي يضع السياسات ويقدم الخدمات العامة، وقطاع خاص يقود الاستثمار ويوفر الوظائف، وقطاع غير ربحي يتحرك في المساحات التي لا يستطيع القطاعان الآخران الوصول إليها. لم تعد المؤسسات غير الربحية في الدول المتقدمة
* كم مرة سمعت عبارة «استثمر في أبنائك»، و«الأبناء أنجح مشروع استثماري»؟.. لا شك أنك قد سمعت هذه العبارات وأشباهها كثيراً؛ فقد باتت تتردد من حولنا يوميًا؛ حتى استقرّت في وعينا الجمعي، كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ولا تدعو حتى إلى التفكير في معناها وتأثيرها. * لست ضد الاجتهاد في تربية الأبناء وتعليمهم، ولا الإنفاق على كل ما من شأنه تحسين تنشئتهم؛ فهذا من أجلّ وأعظم مهام الإنسان في حياته.. لكنني بالتأكيد ضد أن تتحول العلاقة مع الأبناء من رسالة وتربية ومسؤولية أخلاقية، إلى مجرد (عائد استثماري) طويل
يظن البعض أن بيئات العمل تُدار فقط بالأنظمة واللوائح والاجتماعات الرسمية، بينما الحقيقة أن الجزء الأكبر منها تحكمه الطبائع البشرية، بما فيها من تنافس، وطموح، وغيرة، وتحالفات، وصراعات خفية.. ولهذا فبيئة العمل ليست مكانًا بريئًا دائمًا، بل مساحة مفتوحة للتنافس الشريف أحيانًا، وغير الشريف أحيانًا أخرى. في كل مؤسسة تقريبًا، توجد شخصيات ترفع جودة العمل وتدفعه للأمام، وأخرى (سامّة) تستنزف الفرق وتُفسد العلاقات وتقتل روح الإنجاز.. والمشكلة أن بعض هذه الشخصيات لا تبدو خطيرة في البداية، بل قد تكون
قبل سنوات، شاهدت فيلماً وثائقياً من إنتاج (BBC) عن شطريّ القدس، بدأ الفيلم من الشطر الشرقي (البائس) بسؤال سكانه العرب عن رأيهم بجيرانهم اليهود في الجزء الغربي (المتنعم)، ولم يفاجئني يومها سيل الشكاوى من الاضطهاد والعنصرية والظلم والتهميش وعدم الإنسانية، فهذا أمر معلوم بالضرورة لنا كعرب.. لكن المفاجأة كانت (بالنسبة لي على الأقل) عندما انتقلت الكاميرا بالسؤال ذاته للشطر الغربي، فقد اختلف كل شيء تقريباً -المباني، الشوارع، الرفاهية، الأضواء، نمط الحياة- كل شيء كان مختلفاً إلا الإجابات، التي جاءت
يعرف الجميع أن مرحلة المراهقة من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، لما يصاحبها عادة من تقلبات نفسية، واندفاع عاطفي، ورغبة ملحّة في إثبات الذات دون اكتمال أدوات الحكم والتقدير.. فالمراهق يملك طاقة عالية، لكنها غير منضبطة، ولديه شغف باتخاذ القرار دون خبرة كافية، مما يجعل كثيرًا من قراراته متسرعة، وربما بعيدة عن أبسط متطلبات العقل والمنطق. في الإدارة لا يختلف الحال كثيرًا؛ فكما يتصرف (الفتى المراهق) بدوافع لحظية، فيغضب سريعًا، ويرى نفسه محور المشهد.. يظهر في الإدارة ما يمكن تسميته بـ (المدير
إذا كنت تظنُّ أنَّ المهندسين والأطبَّاء ومَن في حكمهم من أصحاب الشِّهادات العلميَّة الصَّعبة، بمنأى عن الخرافات و(الاضطرابات)، والتفكير (الشاطح)، فأنت مخطئ بالتأكيد.. فالتجارب شرقًا وغربًا، تثبت أنَّ بلوغ أعلى الدرجات العلميَّة لا يعني بالضرورة امتلاك عقلٍ متزنٍ، ولا حصانة ضد الوقوع في أوهام تصطدم بأبسط قواعد المنطق.. فكم من عقولٍ لامعةٍ في تخصصها، زلَّت، وتبنَّت أفكارًا شاذَّةً؛ إمَّا رغبةً في الشهرة، أو يقينًا زائفًا بأنَّها ترى ما لا يراه الآخرُون.. فالعلم يمنحك أدوات التفكير، لكنَّه لا يضمن
أحد الأصدقاء تقاعد قبل أشهر، بعد رحلة طويلة في بيئات عمل لم تُنصفه؛ إذ لم ينل ما يستحق من مناصب، ولا ما يوازي جهده من مكاسب وظيفية.. لكنه ترجّل مقتنعًا أنه خرج منتصرًا، بعد أن ظلّ يمتطي (جواد النزاهة) لأكثر من ثلاثين عامًا، دون أن يفرّط يومًا في مبادئه، أو ينقص من ماء وجهه قطرة. مشكلة هذا الصديق وأمثاله ليست في افتقارهم للكفاءة، بل في أنهم لا يتقنون «مهارات العصر» من فنون التلوّن والتزلّف؛ لذلك يُصنَّفون في «سوق الانتهازية» كـ»دراويش، أو أغبياء اجتماعيًا»، لأنهم ببساطة لم يفهموا المعادلة، ولم