منتدى
تحالف يعيد رسم معادلة الأمن
تاريخ النشر: 12 أغسطس 2026 22:52 KSA
ليست كلُّ الاتفاقيَّات التي تُوقَّع بين الدول سواء؛ فبعضها يُكتب بالحبر، ثمَّ يُحفظ في الأدراج، وبعضها يأتي في لحظة تاريخيَّةٍ تتجاوز نصوصه وبنوده، وتفتح الباب أمام تحوُّلات أوسع. ومن هذا النوع، أرى أنَّ اتفاقيَّة الدفاع المشترك بين المملكة العربيَّة السعوديَّة، والجمهوريَّة التركيَّة، وجمهوريَّة باكستان الإسلاميَّة، التي شهدت مكَّة المكرَّمة توقيعها، تستحقُّ أنْ تُقرأ بعين مختلفة؛ لأنَّها لا تتعلَّق فقط بالتعاون العسكري بين ثلاث دول، وإنَّما تلامس سؤالًا أكبر: كيف يمكن لدول المنطقة أنْ تصنع أمنها، وتحمي مصالحها، وتعيد تشكيل معادلات الرَّدع فيها؟
الرياض خلال السنوات الأخيرة لم تعد تتعامل مع موقعها الإقليميِّ باعتباره امتيازًا تاريخيًّا فحسب، بل حوَّلته إلى أداة فاعلة في صناعة القرار. وبقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم ومتابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اتَّسعت شبكة الشراكات السعوديَّة، وأصبحت القوَّة تُبنى على مزيج من السياسة والاقتصاد والقدرات العسكريَّة والعلاقات الدوليَّة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الاتفاقيَّة مع تركيا وباكستان خطوة محسوبة. فتركيا تمتلك قوَّة عسكريَّة وصناعة دفاعيَّة متقدِّمة، وخبرة إستراتيجيَّة واسعة، وباكستان تتمتَّع بثقل عسكري وجيوسياسيٍّ وخبرة طويلة في التعامل مع التحدِّيات الأمنية، بينما تمتلك المملكة ثقلًا سياسيًّا واقتصاديًّا وموقعًا جغرافيًّا يجعلها محورًا أساسًا في أيِّ منظومة أمنية إقليميَّة.
وعندما تتقاطع هذه القدرات، فإنَّ المعادلة لا تكون مجرَّد جمع لقدرات ثلاث دول، وإنما بناء مساحة جديدة للتنسيق والتخطيط والرَّدع.
وتأتي العبارة الأبرز في الاتفاقية، المتعلِّقة باعتبار أيِّ اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، لتمنح الاتفاق بُعدًا ردعيًّا واضحًا. لكنَّها لا تعني بالضرورة تأسيس تحالف هجوميٍّ، أو إعلان مواجهة مع طرف بعينه، بل تحمل رسالة أكثر وضوحًا: أنَّ تكلفة الاعتداء أصبحت أكبر، وأنَّ أيَّ طرف يفكِّر في اختبار أمن إحدى الدول الثلاث عليه أنْ يضع في حساباته ردود الفعل المحتملة للدولتين الأخريين.. وهذه هي فلسفة الردع: منع الحرب قبل أنْ تبدأ.
أمَّا السؤال الذي يفرض نفسه فهو: هل يمكن أنْ تنضم دول أخرى إلى هذه الاتفاقيَّة؟ أعتقد أنَّ ذلك احتمال وارد، لكنَّه ينبغي ألَّا يتحوَّل إلى هدف بحد ذاته؛ فنجاح أي منظومة دفاعيَّة لا يقاس بعدد أعضائها، وإنما بقدرتها على التنسيق الحقيقي، وتبادل المعلومات، وإجراء التدريبات المشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعيَّة، ووضع آليات واضحة للتعامل مع الأزمات.
ومع ذلك، فإنَّ توسُّع الاتفاقيَّة ليشمل دولًا عربيَّةً وإسلاميَّةً ذات ثقل سياسيٍّ وعسكريٍّ واقتصاديٍّ قد يحوِّلها تدريجيًّا من اتفاق ثلاثي إلى إطار أوسع للأمن الإقليمي.
وفي تقديري، فإنَّ قوَّة اتفاقية مكَّة لا تكمن فقط فيما كُتب على الورق، وإنما فيما يمكن أنْ تفتحه من أبواب. فإذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تحويلها إلى تعاون دفاعيٍّ مؤسسيٍّ حقيقيٍّ، فقد تصبح نواة لمنظومة أوسع، وأحد أبرز التحوُّلات في بنية الأمن الإقليميِّ خلال السنوات المقبلة.
حاتم سعد العميري
@alhatmi-king
الرياض خلال السنوات الأخيرة لم تعد تتعامل مع موقعها الإقليميِّ باعتباره امتيازًا تاريخيًّا فحسب، بل حوَّلته إلى أداة فاعلة في صناعة القرار. وبقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم ومتابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اتَّسعت شبكة الشراكات السعوديَّة، وأصبحت القوَّة تُبنى على مزيج من السياسة والاقتصاد والقدرات العسكريَّة والعلاقات الدوليَّة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الاتفاقيَّة مع تركيا وباكستان خطوة محسوبة. فتركيا تمتلك قوَّة عسكريَّة وصناعة دفاعيَّة متقدِّمة، وخبرة إستراتيجيَّة واسعة، وباكستان تتمتَّع بثقل عسكري وجيوسياسيٍّ وخبرة طويلة في التعامل مع التحدِّيات الأمنية، بينما تمتلك المملكة ثقلًا سياسيًّا واقتصاديًّا وموقعًا جغرافيًّا يجعلها محورًا أساسًا في أيِّ منظومة أمنية إقليميَّة.
وعندما تتقاطع هذه القدرات، فإنَّ المعادلة لا تكون مجرَّد جمع لقدرات ثلاث دول، وإنما بناء مساحة جديدة للتنسيق والتخطيط والرَّدع.
وتأتي العبارة الأبرز في الاتفاقية، المتعلِّقة باعتبار أيِّ اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، لتمنح الاتفاق بُعدًا ردعيًّا واضحًا. لكنَّها لا تعني بالضرورة تأسيس تحالف هجوميٍّ، أو إعلان مواجهة مع طرف بعينه، بل تحمل رسالة أكثر وضوحًا: أنَّ تكلفة الاعتداء أصبحت أكبر، وأنَّ أيَّ طرف يفكِّر في اختبار أمن إحدى الدول الثلاث عليه أنْ يضع في حساباته ردود الفعل المحتملة للدولتين الأخريين.. وهذه هي فلسفة الردع: منع الحرب قبل أنْ تبدأ.
أمَّا السؤال الذي يفرض نفسه فهو: هل يمكن أنْ تنضم دول أخرى إلى هذه الاتفاقيَّة؟ أعتقد أنَّ ذلك احتمال وارد، لكنَّه ينبغي ألَّا يتحوَّل إلى هدف بحد ذاته؛ فنجاح أي منظومة دفاعيَّة لا يقاس بعدد أعضائها، وإنما بقدرتها على التنسيق الحقيقي، وتبادل المعلومات، وإجراء التدريبات المشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعيَّة، ووضع آليات واضحة للتعامل مع الأزمات.
ومع ذلك، فإنَّ توسُّع الاتفاقيَّة ليشمل دولًا عربيَّةً وإسلاميَّةً ذات ثقل سياسيٍّ وعسكريٍّ واقتصاديٍّ قد يحوِّلها تدريجيًّا من اتفاق ثلاثي إلى إطار أوسع للأمن الإقليمي.
وفي تقديري، فإنَّ قوَّة اتفاقية مكَّة لا تكمن فقط فيما كُتب على الورق، وإنما فيما يمكن أنْ تفتحه من أبواب. فإذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تحويلها إلى تعاون دفاعيٍّ مؤسسيٍّ حقيقيٍّ، فقد تصبح نواة لمنظومة أوسع، وأحد أبرز التحوُّلات في بنية الأمن الإقليميِّ خلال السنوات المقبلة.
حاتم سعد العميري
@alhatmi-king