منتدى

باقة الأوقاف.. «الصحي» نموذجاً

باقة الأوقاف.. «الصحي» نموذجاً
لم يعد الوقف في مفهومه المعاصر مجرد مورد مالي يُخصص لأوجه البر والإحسان، وإنما أصبح أحد المُمكِّنات التنموية القادرة على صناعة أثر مستدام، متى ما أُحسن توجيهُه، وأُدير بكفاءة، ورُبط بأولويات المجتمع واحتياجاته المتجددة.
وفي ظل ما حققته الصناديق الوقفية الاستثمارية من نجاحات نوعية ساهمت في تطوير القطاع الوقفي، ودفع عجلة التنمية المستدامة.. تبرز أهمية الانتقال من مفهوم الوقف الفردي إلى منظومة الأوقاف المتخصصة؛ بحيث تصبح لدينا «باقة» من الصناديق الوقفية، يتخصص كل منها في مجال تنموي محدد، ويعمل وفق رؤية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وشراكات فاعلة، بما يُعظِّم أثر الوقف ويمنحه قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع.

وتأتي تجربة الوقف الصحي نموذجاً جديراً بالتأمل؛ فقد أثبتت التجربة أن تخصيص الوقف لقطاع محدد لا يعني تضييق نطاقه، بل على العكس، يمنحه قدرة أكبر على التخصص، وفهم الاحتياج، وتوجيه الموارد إلى الأولويات، وتحقيق أثر يمكن قياسه وتطويره.
وإذا كان صندوق الوقف الصحي قد قدم نموذجاً مهماً في توظيف الوقف لخدمة الرعاية الصحية والمرضى والوقاية والبحث والابتكار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا تتسع دائرة التجربة لتشمل مختلف الاحتياجات التنموية؟

فيمكن، على سبيل المثال، أن تتشكل مستقبلاً (باقة وطنية) من الصناديق الوقفية المتخصصة، من بينها:
صندوق التمكين الوقفي، الذي يُوجّه موارده إلى تمكين الأسر والأفراد اقتصادياً، من خلال التدريب والتأهيل، ودعم المشاريع الصغيرة والبرامج التي تنقل المستفيد من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.
وصندوق الابتعاث الوقفي، الذي يسهم في توفير فرص تعليمية نوعية للطلاب والطالبات، وتمويل المنح الدراسية، ودعم التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، بما يجعل الوقف شريكاً في بناء رأس المال البشري وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.
وهناك صندوق الوقف الأخضر البيئي: الذي يمكن أن يوجه ريعه لدعم مبادرات التشجير، مكافحة التصحر، حماية الحياة الفطرية، إعادة التدوير، وتمويل مشاريع الطاقة النظيفة والمستدامة.
كما يبرز أيضاً ضمن المقترحات: صندوق البحث والابتكار والذكاء الاصطناعي، ليكون رافداً للباحثين والمبتكرين، والموهوبين وتأسيس حاضنات تقنية ومشاريع ريادية للشباب غير القادرين على التمويل، كما يدعم الدراسات والمشروعات التي تقدم حلولاً للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والصحية.
ومن الصناديق الوقفية الهامة التي تدخل في دوائر الاهتمام: صندوق الوقف الرياضي: وهو يُعنى بنشر ثقافة جودة الحياة عبر بناء منشآت رياضية مجانية، ودعم برامج مكافحة السمنة والأمراض المزمنة وقائياً.
ويمكن كذلك أن تمتد الباقة إلى صناديق وقفية لدعم الأمن الغذائي، وتمكين المرأة، ورعاية ذوي الإعاقة، والتعامل مع الطوارئ والأزمات، وغيرها من المجالات التي تمثل أولوية في مسيرة التنمية.
ولعل من المهم هنا ألا تُبنى هذه الصناديق على مفهوم «الإنفاق» فقط، وإنما على مفهوم الاستثمار في الأثر؛ فالأصل الوقفي ينبغي أن يحافظ على استدامته، بينما يوجه ريعه إلى برامج ومبادرات تحدث تغييراً حقيقياً في حياة المستفيدين. وكلما ارتبطت الصناديق بمؤشرات أداء واضحة، وقياس للأثر، وحوكمة عالية، وشفافية في الإفصاح، ازدادت الثقة بها وتعاظمت قدرتها على استقطاب الواقفين.
وفي هذا السياق، فإن العديد من الجمعيات الأهلية، وفي مقدمتها جمعية البر بجدة، قدمت نماذج نوعية في تنمية الأوقاف وتطوير مواردها، وتحويلها إلى أدوات فاعلة لصناعة الأثر الاجتماعي المستدام. وهي تجارب ميدانية راكمت خبرات مهمة يمكن البناء عليها وتبادلها وتطويرها ضمن رؤية أكثر تكاملاً للعمل الوقفي.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي تكامل الجهود بين هذه الجمعيات والهيئة العامة للأوقاف، بالتنسيق مع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، لدعم التوسع في إنشاء وتطوير صناديق الأوقاف المتخصصة، بما يحقق أهدافاً مشتركة لجميع الأطراف، ويعزز تبادل الخبرات والمنافع، ويفتح آفاقاً أوسع للشراكات والاستثمار في الأثر.
إن مثل هذا التكامل لن يسهم فقط في تنمية الأوقاف وتعظيم عوائدها، بل سيمنح العمل الاجتماعي أدوات أكثر استدامة لمعالجة الاحتياجات التنموية، ويعزز كفاءة القطاع غير الربحي وقدرته على الإسهام في التنمية الوطنية.
*المستشار الإعلامي لجمعية البر بجدة

أخبار ذات صلة

يوميات المنظمة
يوميات المنظمة
إدامة العلم.. بالتشجيع وإدارة العقبات
إدامة العلم.. بالتشجيع وإدارة العقبات
اتفاقية مكة.. دهاء السياسة السعودية
اتفاقية مكة.. دهاء السياسة السعودية
تحالف يعيد رسم معادلة الأمن
تحالف يعيد رسم معادلة الأمن
;
الاستثمار في السعودية.. من الحوافز إلى القيمة
الاستثمار في السعودية.. من الحوافز إلى القيمة
العودة للمدارس.. كيف النفسيات؟
العودة للمدارس.. كيف النفسيات؟
جماهير الاتحاد تستحق الشفافية
جماهير الاتحاد تستحق الشفافية
إدامة العلم.. بالتشجيع وإدارة العقبات
إدامة العلم.. بالتشجيع وإدارة العقبات
;
يوميات المنظمة
يوميات المنظمة
الرقم الذي أكل صاحبه
الرقم الذي أكل صاحبه
اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية
اليوم الإسلامي لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية
من مكة بدأت الرسالة.. ثلاث دول وإرادة واحدة للأمن والسلام
من مكة بدأت الرسالة.. ثلاث دول وإرادة واحدة للأمن والسلام
;
رحمك الله.. أبا محمد
رحمك الله.. أبا محمد
التزييف العميق
التزييف العميق
السيادة الوطنية خط أحمر
السيادة الوطنية خط أحمر
الأمن الديموغرافي للمملكة
الأمن الديموغرافي للمملكة