كتاب

الجماعة أولاً.. ولو هلكت الأوطان !!

لم يكن (جهيمان) أول رجل في التاريخ يقنع أتباعه بأنهم الوحيدون على الحق، وأن العالم من حولهم قد ضل الطريق.. ويدفعهم إلى اقتحام المسجد الحرام في العام 1979 في مغامرة (خلاصية) دامية صدمت العالم الإسلامي كله، وأثارت سؤالاً كبيراً: «كيف استطاع رجل لم يتجاوز تعليمه النظامي الصف الرابع الابتدائي أن يقنع جموعاً من الناس، بينهم من يفوقه علماً وتعليماً، بفكرة تصل بهم إلى مصادمة مجتمع كامل والمخاطرة بحياتهم من أجلها؟».
قبل جهيمان بعام واحد فقط، انتهت جماعة «معبد الشعوب» التي قادها الأمريكي (جيم جونز) بكارثة، راح ضحيتها أكثر من 900 شخص، بعد سنوات من العزلة والأدلجة والطاعة لقائد كان في نظر أتباعه مصدرًا وحيداً للحقيقة!. ثم تكرر المشهد مرة ثالثة مع تنظيم «بوابة السماء»، حين أنهى 39 شخصاً حياتهم عام 1997، إيماناً بفكرة غريبة قادتهم في النهاية إلى الموت الجماعي!. اللافت في الحالات الثلاث أن المشكلة لم تكن في غرابة أفكار الرؤساء فقط.. بل في توقف أفراد هذه الجماعات عن اختبار هذه الأفكار بعقولهم، ورؤيتها من خلال عقل الجماعة، حتى انتهت بهم الطاعة العمياء إلى ما يشبه الانتحار الجماعي.

إذا كنت تتساءل الآن كيف يصدق إنسان عاقل شيئاً يناقض ما يراه من حقائق؟ فربما تساعدك تجربة عالم النفس الأمريكي (سولومون آش) على فهم هذا التناقض.. فقد وضع أشخاصاً عاديين أمام مجموعة من الخطوط، وطلب منهم تحديد أيها متساوٍ في الطول؟ كانت الإجابة واضحة، لكنه وضع بين المشاركين أشخاصاً متفقين مسبقاً على إعطاء إجابة خاطئة.. والمفاجأة أن بعض المشاركين تبنوا الإجابة الخاطئة! مما يؤكد على أن الإنسان ليس بحاجة دائماً إلى قائد شديد الذكاء لكي يتنازل عن عقله.. أحياناً تكفيه حواضن اجتماعية يحب الانتماء إليها، ويخشى العزلة خارجها.
بالطبع.. يصبح الأمر أكثر خطورة حين نكون أمام تنظيمات عقائدية مغلقة، تبني لأفرادها عالماً وهمياً (نحن أهل الحق.. المستهدفون دائماً، وهم المتآمرون دائماً.. قائدنا يرى ما لا يراه الآخرون، والاعتراض عليه خيانة، والتراجع عن الطريق سقوط).. هنا لا يعود الإنسان مجرد فرد، بل تبدأ الجماعة في إعادة تشكيل نظرته للعالم والحياة، تحدد له من يحب ومن يكره، وتختار له أعداءه، وتقدم له تفسيراً جاهزاً لكل ما يحدث.. ثم تمنحه فوق ذلك شعوراً وهمياً بالقيمة: «أنت جزء من معركة كبرى، ومشروع يتجاوز حياتك الشخصية».

أخطر صور هذا التعليب الفكري ما تشاهده في منطقتنا اليوم من تنظيمات وفصائل مسلحة، تحولت عقائدها إلى هويات سياسية وعسكرية تتقدم على فكرة الدولة نفسها.. حيث ينشأ أفرادها في شرنقة الثنائية الحادة (الحق والباطل، الولاء والخيانة).. ثم يصبح الانتماء للمشروع العقائدي الضيق وقادته معياراً للحقيقة، حتى إذا تعارضت مصلحة الجماعة المغلقة مع مصلحة المجتمع أو الدولة، تقدمت الجماعة في ذهن أتباعها!.
هكذا تستطيع هذه الهياكل المؤدلجة أن تدفع شباباً إلى معارك يعرف العقل المجرد أن كلفتها أكبر من مكاسبها، وتدخل مجتمعاً كاملاً في مواجهة لم يخترها، ثم تعيد تعريف أو قل (تزييف) نتائجها لأتباعها، فالخسارة تصبح انتصارًا، والدمار تضحية، والعزلة صموداً، والموت بطولة! والأخطر أن الفرد الغارق داخل هذه القواقع لا يرى نفسه ضحية كما نراه نحن من الخارج.. بل يعتقد أنه أكثر الناس وعياً وإيماناً وشجاعة طبعاً!.
النتائج واضحة أمامنا، مدن مدمرة، واقتصادات منهكة، وأسرًا مفجوعة، وأجيال تدفع الثمن.. لكن كلما ازدادت الخسائر والعزلة قيل لهم: العالم يتآمر علينا.. وكلما ارتفعت الكلفة قالوا: لأن قضيتنا عظيمة.. وهكذا تتحول الفكرة إلى دائرة مغلقة يصعب اختبارها أو الخروج منها؛ فحتى الأدلة التي يفترض أن تكشف خطأها يُعاد تفسيرها لتصبح دليلًا جديدًا على صحتها!.
أخطر ما يمكن أن تفعله جماعة بإنسان؛ ليس أن تقنعه بفكرة خاطئة.. بل أن تقنعه بأن هويته ووجوده كله مرتبطان بتلك الفكرة.. عندها قد يصبح مستعدًا لأن يخسر مستقبله، ومجتمعه، ووطنه، وربما حياته.. قبل أن يمتلك الشجاعة ليراجع نفسه ويسألها سؤالًا عقلانياً واحدًا: هل نحن فعلاً على حق؟.

أخبار ذات صلة

العجوز المتصابية
الانحياز إلى العزلة
«السديس».. الاعتدال والمسؤولية
(9) أسئلة حول توقف «الرياض» الورقية
;
تنومة.. بين كرم الإنسان وسحر المكان
نظامنا التعليمي الجديد.. ومواكبته للتطلعات
الفترة التجريبية !!
من السعودية إلى لندن
;
من أحداث السقوط للنظام الدولي
المصاريف المحمولة.. بين الفشل والنجاح
حين تُقرع الأجراس.. تزدهر الأوطان
قـلـــــق
;
المعرفة قبل الظهور
الإدارة بالإدراك
ذكريات بعد تلاوات..!!
نار التعصب الرياضي!