كتاب

الجيل المدهش

مررتُ في طريقي إلى المطار، وأنا أودِّع بوسطن هذا الصَّيف، بكليَّة كينيدي للدِّراسات الحكوميَّة، فتذكَّرتُ صورةً التقطها سيسيل ستوتون في صيف سنة 1963: الرئيس الأمريكي جون كينيدي على اليخت الرئاسيِّ Honey Fitz قبالة ماساتشوستس، يتلذَّذ بآيس كريم في يده، كأنَّ التاريخ منحه دقائق قليلة خارجه. قبَّلته الشَّمس على خدَّيه، والبحر خلفه، والرئيس الشاب مستغرقٌ في لحظة عاديَّة، لكنَّها مدهشة، فيما كانت بلاده والعالم يعبران إلى زمنٍ آخرَ.
قبلها بعامين أعلن كينيدي أنَّ «الشُّعلة انتقلت إلى جيل جديد»، وسأل السُّؤال الذي عاش أطول من رئاسته: «لا تسأل ماذا يستطيع وطنك أنْ يفعل لك؟ بل ماذا تستطيع أنْ تفعل لوطنك؟». وكان أمام ذلك الجيل امتحانان متناقضان: التجنيد الذي ذكَّره بأنَّ الوطن قد يطلب منه جسده، ومشروع الوصول إلى القمر الذي قال له إنَّ الوطن قد يطلب من خياله المستحيل.

وفكَّرت في أبنائنا.
عرفُوا ولادةً جديدةً للزَّمن: ما قبل كورونا وما بعدها، وتعلَّمُوا قبل الذكاء الاصطناعي، وسيعملُون بعده. وغيَّر الهاتف الذكي علاقتهم بأنفسهم وبالمدرسة والصديق والمعرفة، وربما بالمجتمع نفسه. وفي الحكمة المنسوبة إلى سيدنا علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: «لا تقسِرُوا أَولادَكُم عَلَى آدابِكُم، فإنَّهم مخلوقُونَ لِزَمانٍ غَيرِ زَمانِكُم».

وزمانُهُم قدْ وَصَل.
وفي كتابهما الجديد الموجَّه إلى النَّاشئة، «الجيل المدهش» (The Amazing Generation)، يخاطبُ جوناثان هايدت، وكاثرين برايس، أبناء هذا الزَّمن، ويدعُوانَهم إلى استردادِ طفولتهم وحريَّتهم من الشَّاشة. وهي بداية جميلة. لكن ماذا بعد أنْ يرفع الشَّاب عينيه عن الشَّاشة؟ كيف ينتقل من استرداد نفسه إلى اكتشاف مجتمعه، ومن الحرية إلى المواطنة والمسؤوليَّة؟
فما مشروع القمر لهذا الجيل؟ وما خدمته؟
تُحْسِن المملكةُ صنعًا، وهي تُدخل الذكاء الاصطناعي إلى مناهج أبنائِها. لكنَّنا لا نريدُ أفضل جيلٍ في الذكاء الاصطناعيِّ فحسب، نريد أنْ يكون الجيلُ السعوديُّ القادمُ من أفضل أجيال عصر الذكاء الاصطناعيِّ.
وهذا يحتاج إلى أكثر من المعرفة.
قد تدعونَا الحروبُ من حولنا إلى التَّفكير في الجاهزيَّة، لكن الجاهزيَّة التي نحتاجها أوسع من الحرب: إنسانٌ أقدرُ، ومجتمعٌ أكثرُ تماسكًا، ووطنٌ يعرفُ كيف يستمرُّ إذا جاء الامتحانُ. وجاء اتفاق مكَّة للدِّفاع المشترك؛ ليجعل هذا السُّؤال أكثرَ إلحاحًا.
عاشت منطقتُنا طويلًا كأنَّها في آلةِ طردٍ مركزيَّة، صراعات أيديولوجيَّة، وحروب وكالة، وهويات فرعيّة تدفع أبناءَها بعيدًا عن بعضهم. ولعلَّنا اليوم نحتاجُ إلى مركز جذبٍ جديدٍ.
وفي المركز: الخدمة.
لذلك يستحقُّ أنْ نناقش سنةً للخدمة الوطنيَّة لكلِّ شابٍّ وشابَّةٍ؛ سنةً للجاهزيَّة والمواطنة، تجمع أبناء المملكة من مناطقها وتجاربها المختلفة في مسؤوليَّة مشتركة. تتعدَّد مساراتها بين الخدمة العسكريَّة والمدنيَّة والتقنيَّة والصناعيَّة والإنسانيَّة، وصولًا إلى أشرف الخدمة عندنا: خدمة الحرمين، وضيوف الرَّحمن.
سنةٌ يخرج منها الإنسان أقدر، والمجتمع أكثرُ تماسكًا؛ يعرفُ التقنية والآلة، ويعرفُ النَّاس في بلاده، ويعرفُ نفسه، ويتعلَّم أنَّ الجاهزيَّة ليست انتظار الخطر، بل القدرة على العمل مع الآخرِينَ حين يحتاج الوطن إليه.
ولا نحتاجُ أنْ نستعير معنى الخدمة من أحد. ففي رأس الدَّولة أجمل تمثيل لهذا المعنى: خادم الحرمين الشَّريفين. فإذا كانت الخدمة شرفَ السِّيادة، أفلا تكون -أيضًا- شرفَ المواطنةِ؟
ولكلِّ أبٍ وأمٍّ منَّا ابنٌ أو ابنةٌ سيبلغ الثامنة عشرة. ومن حقِّنا عليهم، وحقِّهم علينا، أنْ نتخيَّل معهم مستقبلهم، وأنْ نسأل كيف يُبنَى الفرد لزمانٍ غير زمانِنَا: لا أنْ نطمئن إلى تعليمهم فحسب، بل أنْ نطمئن عليهم، ومن خلالهم على مستقبل وطنهم.
فالجيلُ المدهشُ ليس فقط الجيل الذي يستردُّ حياته من الشَّاشة، ولا أفضل جيلٍ للذكاء الاصطناعي، بل جيلٌ متفائلٌ يعرفُ كيف يطمحُ، وكيف ينتجُ، وكيف يستعدُّ، ثم يسأل: ماذا أستطيعُ أنْ أفعلَ لوطني؟
اللَّهُمَّ احفظهُم لزمانِهِم، وأعنهُم عليهِ، واجعلْ في علمِهِم نفعًا، وفي خدمتِهِم شرفًا، وفيهم طمأنينةً لمستقبل وطنِهِم.
الضبطُ يبدأُ في الطريف... وفِي العالمِ يُختََبَر.

أخبار ذات صلة

يا هؤلاء: السعودية معقل التوحيد
الاقتصاد الأزرق
رئيس تنفيذي.. لا تكلمني!!
(وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ)
;
هل نحب العمل.. أم نعتاد عليه؟
جرس المدرسة لا ينهي الحكاية
اليابان تغطس.. والصين تراقب!
لماذا أصبحنا أقل صبرًا؟
;
تبعات الرفض الإسرائيلي لقرارات مجلس السلام
الكلمات لا تموت!
الجانب المظلم لوظيفة كاتب الرأي
خلف النوافذ.. حكايات البشر
;
ماذا لو كانت المصافحة.. أكاديمية؟!
رؤيتا 2030 واحدة.. آفاق الشراكة السعودية الفرنسية
إحسان.. من منصة للعطاء إلى مؤسسة للأثر
سيدة المدائن.. حب وحنين