كتاب

الجامعة الريادية.. عندما تصنع المعرفة فرصًا

لفتتني تجربة البروفيسور زيني أوجانج، الرئيس الأسبق لجامعة ماليزيا للتقنية، الذي استطاعَ أنْ يقودَ جامعته إلى مكانةٍ متقدِّمةٍ في مجالات البحث العلميِّ والابتكار، من خلال رُؤية واضحة، وقرارات جريئة. وقد قدَّم في إحدى محاضراته عن التعليم العالي خلاصةَ تجربةٍ أكاديميَّةٍ وإداريَّةٍ تستحقُّ التأمُّل؛ لأنَّها تكشفُ أنَّ النَّجاح المؤسسيَّ لا يعتمد على الإمكانات الماديَّة وحدها، بل على وضوح الهدف، وحُسن الإدارة.
ويبدُو أنَّ نجاحه استند إلى ركيزتَين أساسيَّتين. الأولى تمثَّلت في الإيمان بالرُّؤية والتمسُّك بها. فقد كان يرى أنَّ الجامعة المتميِّزة لا تُقاس بكثرة طلابها، بل بجودة مخرجاتها العلميَّة والبحثيَّة. لذلك ركَّز على الدراسات العُليا والبحث العلميِّ، وعمل على توفير البيئة التي تساعد الباحثين والمبتكرين على الإنتاج والإبداع.

أمَّا الركيزة الثانية، وهي الأهم، فكانت تحويل الجامعة من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى جامعة ريادية. فالجامعة التعليميَّة تركِّز على نقل المعرفة إلى الطلاب، بينما تتجاوز الجامعة الرياديَّة ذلك إلى تنمية المهارات، وتحويل الأفكار إلى مشروعات ومنتجات وشركات ناشئة تسهم في التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
وقد أثبتت التجارب العالميَّة أنَّ هذا النموذج يحقق فوائد كبيرة. فهو أوَّلًا يسهم في خلق فرص عمل جديدة، ويخفف الضغط على القطاع الحكوميِّ بوصفه جهة التوظيف الرئيسة. كما يساعد على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار بدلًا من الاعتماد على الوظائف التقليديَّة وحدها.

وثانيًا، يفتح المجال أمام الجامعات للمشاركة في حل المشكلات الوطنيَّة، من خلال الأبحاث التطبيقيَّة والمبادرات المبتكرة. فالتحدِّيات المرتبطة بالمياه والطاقة والبيئة وإدارة الموارد يمكن أنْ تتحوَّل إلى فرص للبحث والاستثمار. كما أنَّ المملكة تمتلك فرصًا استثنائيَّة في مجالات الحجِّ والعُمرة والسِّياحة والخدمات الرقميَّة، وهي مجالات قادرة على استيعاب الكثير من المشروعات الرياديَّة المبتكرة.
وثالثًا، يمنح هذا التوجه الفرصة للكفاءات والعبقريات الشابَّة التي قد لا تجد مساحة كافيّة في النمط الجامعيِّ التقليديِّ. فالبيئة الرياديَّة تساعد على اكتشاف المواهب وتحويل الأفكار الواعدة إلى مشروعات ذات أثر اقتصاديٍّ ومجتمعيٍّ.
ولا يقتصر هذا المفهوم على التخصُّصات العلميَّة والهندسيَّة والطبيَّة، بل يشمل كذلك التخصُّصات الإنسانيَّة كالشريعة واللُّغة والتاريخ والاجتماع، إذ يمكن لأصحابها ابتكار منتجات معرفيَّة وخدمات نوعيَّة تحقق قيمة مضافة للمجتمع.
إنَّ مستقبل الجامعات لم يعد يقاس بعدد الخريجين فقط، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى فرص تنموية واقتصادية. ومن هنا تبدو الجامعة الرياديَّة خيارًا استراتيجيًّا لمواكبة متطلبات المستقبل وبناء اقتصاد المعرفة.

أخبار ذات صلة

ملهي بن سلامة (ابن الوطن البار)
السعودية وديناميكية الاستثمار وتبادل المصالح
غراس السنين في ينابيع الوفاء
إلى المعلم.. في بداية عام دراسي جديد
;
بصمة إبداع سعودية.. تستثمر في العقول والقلوب
بين قلق الموت.. ورعب تكرار الحياة
عبدالله التعزي
أمير الماء
;
الموظف الحكومي.. وجهان متناقضان!!
المنكوب..!!
النسخة الاستثنائية
المستفيد من العمل الخيري.. باذله
;
الحربي هو الحل
حين تتعلم الآلة التفكير.. ماذا يبقى للإنسان؟
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل (3)
كيف تؤمن السعودية حدودها واقتصادها وسط عواصف الإقليم؟