كتاب

أين المروءة ؟!

دائمًا نتبادلُ القصصَ البطوليَّة عن المروءة، ونحفظُ المعلَّقات التي تُخلِّد إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، ونجدُ أنفسنا اليوم حائرِينَ أمام نسخةٍ مُحدثة وعصريَّة من هذا المفهوم العتيق، فلقد تعرَّضت المروءة لتحديثات تقنيَّة وهيكليَّة جعلتنا نتساءل: هل نحنُ أمام انقراضٍ سلوكيٍّ، أم أنَّنا نشهدُ تطوُّرًا دارونيًّا مُذهلًا لفضيلةٍ لم تعد تناسب سوق الحياة الرقميَّة؟.
كانت المروءةُ تُقَاس بقدرتك على امتطاء الجواد الأصهب، وقطع الصَّحارى القاحلة لمجرَّد إرواء ظمأ عابرِ سبيلٍ تائهٍ، لا تربطك به سوى صِلة الرَّحم الإنسانيَّة، أمَّا اليوم، فالمروءةُ الحقيقيَّةُ تكمنُ في قدرتك الخارقة على ترك مسافة أمانٍ كافيةٍ بينك وبين أيِّ شخص يحاول أنْ يسألك عن قلم جاف في بيئة العمل، أو أنْ يتوَّرط معك في طلب مساعدةٍ قد يتطلَّب مغادرة المقعد المريح المكيَّف، والمروءة المعاصرة تعني تمامًا ألَّا تقترب من مشكلات الآخرين؛ لأنَّ الاقتراب منها يعني تورُّطًا مباشرًا في تضييع الوقت، وتنازلًا غيرَ مدروسٍ عن أوقات الفراغ الثَّمينة التي يجبُ قضاؤها في التَّحديق في الشاشة.

خُذ على سبيل المثال، طقوس إغاثة المُلهوف الكلاسيكيَّة قديمًا، لو رأى أحدُهم سيَّارة متعطِّلة على جانب الطريق؛ لتسابق الجميعُ للمشاركة في دفعها وسط الرمال، أمَّا اليوم، بفضل التطوُّر الهائل في فنون المروءة الرقميَّة، أصبحت المروءة تتمثَّل في إبطاء السرعة قليلًا، وتوجيه نظرةِ استعلاءٍ مشفوعةٍ بالشَّفقةِ نحو السَّائق المنكوب، ثمَّ الضغط على دواسة الوقود بمهارةٍ فائقةٍ مع تلاوة دعاء صامتٍ: اللَّهُمَّ لا تجعل مصيبتنَا في سيَّارتِنَا، ولا تجعلنَا سببًا في إصلاحِهَا، وإنْ بلغَ بكَ الكرمُ حدًّا بعيدًا، فقد تكتفِي بإرسالِ رسالةٍ جماعيَّةٍ للزُّملاء تحذِّرهم فيه من زحمةٍ مروريَّةٍ سببها ذلك المسكين، مكتفيًا بعبارة (نسألُ اللهَ لهُ السَّلامةَ).
ولنتحدَّث بصراحةٍ عن مروءة الشَّوارع والمواصلات العامَّة، تلك المدرسة الكُبرى التي تتخرَّج فيها أجيالٌ من أساطير الأنانيَّة الظَّريفة، فأنْ تقف في القطار، أو الحافلة؛ لتقف وتجلس امرأةٌ مسنَّةٌ، أو طفلٌ، فهذا تصرُّف يُوحي بأنَّ عقلك لا يزالُ عالقًا في القرن الماضي، فالمروءة الحديثة تفرضُ عليك تكتيكًا إستراتيجيًّا مُحكمًا في مثل هذه المواقف؛ فور دخولك، يجبُ أنْ تغوص بعينيك داخل شاشة الهاتف الذَّكي، وكأنَّك تستخرجُ معادلات كيميائيَّة معقَّدة تنقذُ البشريَّة، فهي الدروع الواقية التي تحميك من الشعور بالذَّنب، وتضمنُ لك الاستمتاع بمقعدِكَ الدَّافئ حتَّى آخر محطَّة، بينما تقفُ الإنسانيَّة جمعاء أمامك على قدم واحدةٍ.

قديمًا، كان المُضيفُ يُكلِّف نفسه ما لا يطيق، فيذبح النُّوقَ والحرائرَ، ويكرمُ الضيفَ حتَّى يَملَّ الضيفُ نفسه، أمَّا اليوم، انخفضت كلفةُ المروءةِ إلى أدنى مستوياتها الممكنة؛ إذ يكفِي أنْ ترحِّب بضيفكَ وأنتَ جالسٌ مكانك، دون حتَّى أنْ تكلِّف نفسك عناء النهوض، مردِّدًا بابتسامةٍ صفراءٍ، البيتُ بيتُكَ. ولا يمكننا أنْ نغفل مروءة الاستعارة، عندمَا كانَ الرجلُ يُعطي جارَه نصفَ مالِهِ إنْ احتاج، أمَّا اليوم، فمروءةُ الاستعارة تجلَّت في أبهى صورِهَا عندما يتعلَّق الأمرُ بشواحنِ الهواتفِ المحمولةِ، إنْ أعطيتَ شاحنًا لأحدِ زملائِكَ، فأنتَ لا تقدِّم معروفًا، بل تدخلُ في معركةٍ وجوديَّة شرسةٍ لاستعادتهِ.
إنَّ فضيلة المروءة العريقة، تحولت من فعل عطاء وتضحية، إلى فن رفيع في التهرب الراقي والذكي، ولم تعد المروءة تتطلب منَّا سوى القليل من الدبلوماسية، والكثير من التجاهل المُمنهج، وقدرة فائقة على التظاهر بالانشغال الدائم.

أخبار ذات صلة

مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
;
أتعلَّم.. وأجيك !
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
;
مجالس جدة
شيء عن إدارة المخاطر التقنية
الاستحقاق الوطني في اليمن
12 عاماً.. عَبَرَت بالمملكة نحو المستقبل
;
الدور المرجَّح.. والتنمية
معـــادلات
الشخصية الإيجابية
البيعة الثانية عشرة.. عهد التطوير والإنجاز