كتاب

أتعلَّم.. وأجيك !

قبل سنوات، انتشر مقطع لطفل في الصف الأول الابتدائي، يبكي أمام معلِّمه؛ لأنَّه لا يعرف القراءة والكتابة، وأخذ يردِّد بتوسُّل محزن: «أتعلَّم في البيت وأجيك»، في تخلٍّ واضح من المعلِّم عن دوره، وكأنَّ البيت هو مكان التعلُّم وليس المدرسة!. مضت الحادثة، وربما أصبح الطفل اليوم أفضل كتابةً من كثيرين يملأون وسائل التواصل بأخطائهم، لكن عبارته بقيت في الأذهان؛ لأنَّها لخَّصت فلسفة اجتماعيَّة وإداريَّة تتبعها جهات كثيرة للأسف الشديد: (اذهب وتعلَّم وحدك.. ثمَّ تعال إلينا جاهزًا)!.
كثيرون من حولنا وجدوا أنفسهم بالفعل في أماكن تطلب الشخص الجاهز بدل أنْ تحتضنه؛ وتساعده على التعلّم والنموِّ.. ليست المدرسة وحدها، فكثير من الشركات عندما تعلن عن وظائف للخرِّيجين، تشترط أنْ تكون لديهم خبرات ممتدَّة لسنوات، فيذهل الخريج المسكين، أين يذهب ليأتي بهذه الخبرة؟ فلا أحد مستعد لمنحه الفرصة لاكتسابها، وكأنَّ المطلوب أنْ يكتسبها في بيته، ثمَّ يعود إليهم قائلًا: «تعلََّمت وجيتكم»!.

وتمتد فلسفة «أتعلَّم.. وأجيك» إلى بوابات الجامعات؛ فالطالب الذي يقضي 12 عامًا داخل المنظومة التعليميَّة، تقابله الجامعة وكأنَّه قادم من كوكب آخر، فتصدمه باختبارات إضافيَّة، وكأنَّهم يقولون: «لا نثق في الشهادة التي منحناك إيَّاها»، ويدفعونه إلى (تعلُّم) تلك الاختبارات، وقد تتحوَّل بضع درجات إلى حكم نهائي على قدرات الطالب ومستقبله، وكثيرًا ما حالت درجات قليلة بين شاب وتخصص يحبه، وربما كان قادرًا على الإبداع فيه.. بينما في أنظمة جامعيَّة كثيرة يُمنح الطالب مساحة أوسع لاختيار مساره، ثم تثبت قدرته داخل التخصص نفسه؛ فإمَّا أنْ ينجح ويستمر، أو يتحمَّل نتيجة خطأ اختياره.. أمَّا عندنا، فقد يُحكم عليه قبل أنْ يدخل التجربة أصلًا، ثمَّ نقضي سنوات نسأله: «لماذا لم تبدع في تخصص لم تختره»؟!.
وحتى في بيوتنا، نمارس نحن الآباء الخطأ نفسه؛ حين نطالب الأبناء أنْ يكونوا واثقين ومسؤولين، ثمّ نسخر منهم حين يتحدَّثون، ولا نسمح لهم باتِّخاذ أبسط القرارات.. فإذا خرجُوا للحياة متردِّدين، اتَّهمنا الجيل كله بأنَّه لا يملك شخصيَّة! وكأنَّ الشخصيَّة تنمو بالأوامر، لا بالممارسة والتجربة.

نحن يا سادة بارعون في المطالبة بالنتائج، لكنَّنا أقل براعة في المساعدة على الوصول إليها.. نريد طلابًا متفوِّقين، ولا نصبر على بطء تعلُّمهم.. ونريد موظفين خبراء، ولا ندرِّبهم.. ونريد أبناءً ناضجين، ولا نسمح لهم بالتجربة.. ونريد مبدعين مبتكرين، ثم نستقبل محاولاتهم الأولى بالغضب والسخرية!.
تطلق أستاذة القيادة والإدارة بهارفارد (إيمي إدموندسون) على البيئة التي يستطيع فيها الإنسانُ أنْ يسأل، ويجرِّب، ويعترف بأنَّه لا يعرف؛ دون خوف من السخرية أو الإهانة، مصطلح «الأمان النفسي».. وأظهرت دراستها الشَّهيرة ارتباط هذا الأمان بسلوك التعلُّم.. فالذي يخشى أنْ يبدو جاهلًا قد يتظاهر بالمعرفة، أمَّا الذي يأمن السؤال فسيتعلَّم حقًّا.
البيئة الواعية الداعمة التي تصنع الإنسان لا تقول له: «اذهب وتعلَّم، ثمَّ عُد إلينا جاهزًا».. بل تقول: «مرحبًا بك كما أنت ما دمت راغبًا.. وسنتعلَّم معًا».

أخبار ذات صلة

مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
;
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
مجالس جدة
;
شيء عن إدارة المخاطر التقنية
الاستحقاق الوطني في اليمن
12 عاماً.. عَبَرَت بالمملكة نحو المستقبل
الدور المرجَّح.. والتنمية
;
معـــادلات
أين المروءة ؟!
الشخصية الإيجابية
البيعة الثانية عشرة.. عهد التطوير والإنجاز