كتاب

المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى

لم تعدْ كلمةُ «المحتوى» غريبةً على قاموس حياتنَا اليوميَّة، بل أصبحت من أكثر الكلمات تداولًا، حتَّى بات كلُّ مَن يحملُ هاتفًا، ويملكُ حسابًا في إحدى منصَّات التَّواصل، قادرًا على أنْ يقدِّم نفسه بوصفه «صانع محتوى».
لكنَّ السُّؤال الذي يستحقُّ التأمُّل ليس: مَن يصنع المحتوى؟ بل: ماذا يصنعُ هؤلاءُ؟! ليس كلُّ ما يُنشر محتوى، وليس كلُّ ما يحصدُ آلافَ المشاهدات جديرًا بأنْ يُسمَّى كذلك. هناك فرق كبير بين أنْ تملأ الشَّاشة، وأنْ تملأ عقلًا، أو وجدانًا، أو تُضيف معرفةً.

المحتوى -كما أفهمُهُ- لا يُشترَط أنْ يكونَ محاضرةً علميَّةً، أو درسًا ثقيلًا، ولا أنْ يحمل صاحبُه شهادةً أكاديميَّةً، أو يتحدَّث بلغة النُّخبة. قد يكون بسيطًا وخفيفًا وممتعًا، لكنَّه يحملُ فكرةً، أو معلومةً، أو تجربةً تستحقُّ المشاركة، أو يفتح نافذةً على مكانٍ، أو كتابٍ، أو فنٍّ، أو حِرفةٍ، أو قضيَّةٍ. أي أنَّه يتركُ لدى المتلقِّي شيئًا لم يكنْ لديه قبل أنْ يراه. لكنَّنا أمام فئةٍ أُخرى يمكنُ أنْ نطلق عليها «صنَّاع اللا محتوى».
أشخاصٌ حاضرُونَ طوالَ الوقت، يُصوِّرُونَ كلَّ شيءٍ، ويتحدَّثُونَ في كلِّ شيءٍ، ويملكُونَ رأيًا في كلِّ شيءٍ، من التَّربيةِ والعلاقاتِ الزَّوجيَّةِ، إلى الاقتصادِ والصحَّةِ والسَّفرِ، دون معرفةٍ كافيةٍ، أو تخصُّصٍ، أو حتَّى تجربة تؤهِّلهُم لتقديم النَّصيحةِ.

بعضُهم يبدأ صباحَهُ بإعطاءِ النَّاس دروسًا في الحياة، ثمَّ يصحبهم إلى فنجانِ قهوتهِ، ومائدةِ غدائهِ، ومشترياتِهِ، ورحلتِهِ، وغرفتِهِ في الفندق، ويُنهي يومَه بحكمةٍ يخبرُهم -من خلالها- كيف ينبغي أنْ يعيشُوا!.
ليس الاعتراضُ هنا على تصويرِ رحلةٍ، أو مشاركةِ لحظةٍ جميلةٍ من الحياة، فالرِّحلاتُ نفسها يمكنُ أنْ تكونَ محتوًى ثريًّا إذا عرَّفتنَا بتاريخ المكان، وثقافتهِ وناسِهِ، والصُّورةُ قد تقولُ الكثير حين تكونُ وراءها عينٌ ترَى ما يستحقُّ أنْ يُرَى. إنَّما الاعتراضُ على ذلك الاستعراضِ المتواصلِ للذَّات، حتَّى يصبح الإنسانُ نفسه هو المادَّة، والموضوع، والرِّسالة.
والأكثر إثارةً للقلقِ أنَّ بعض هؤلاء لا يكتفُونَ بعرضِ حياتِهم، بل يتحوَّلُونَ مع اتِّساع عدد المُتابعِينَ إلى مرجعٍ يقدِّمُ النصائحَ، ويُصدِرُ الأحكامَ، وينتقدُ النَّاسَ والمجتمعَ، وربَّما يسخرُ من سلوكٍ، أو عادةٍ، أو فئةٍ كاملةٍ، دون أنْ يستند إلى معرفةِ أو منطقٍ. وكأنَّ عدد المتابعِينَ يمنحُ صاحبه -تلقائيًّا- سلطةً معرفيَّةً لم تكنْ لديه.
لقد صنعت وسائلُ التَّواصل فرصةً عظيمةً؛ لأنْ يصل الصوتُ إلى النَّاس دون أبوابٍ وحرَّاسٍ، وفتحت المجالَ أمام مواهبَ وتجاربَ ومعارفَ ربَّما لم تكنْ تجدُ طريقها إلى الجمهورِ في السَّابق. وهذا أحدُ أجمل وجوهها.. لكنَّها، في المقابل، ألغت المسافة -تقريبًا- بين مَن يعرف ومَن يظن أنَّه يعرف، وبين صاحب الخبرة وصاحب الحضور، وبين القيمة والشهرة.
وهنا تكمنُ المشكلة؛ فالشُّهرة ليست معرفةً، وكثرة المشاهدات ليست معيارًا للجودةِ، وعددُ المتابعِينَ لا يحوِّل الرَّأي الشخصيَّ إلى حقيقةٍ. وربَّما كان أخطر ما فعلته ثقافةُ «الترند»، أنَّها جعلت النَّجاح يُقَاس بقدرة الإنسانِ على جذب العين، لا بما يُضيفه إلى العقلِ.
ولا يعني ذلك أنَّ كلَّ محتوى يجبُ أنْ يكون جادًّا، فنحن نحتاجُ إلى الضَّحك، والتَّرفيه، والجَمَال، مثلما نحتاجُ إلى المعرفة. لكن حتََّى الترفيه له فنٌّ، والفكاهة لها ذكاءٌ، والجَمَال يمكنُ أنْ يرتقي بالذَّائقة. المشكلةُ ليست في الخفَّة، بل في الفراغِ.
وقد يكونُ من حقِّ أيِّ إنسانٍ أنْ ينشرَ ما يشاء في مساحته الشخصيَّة، لكنَّ الأمر يختلفُ حين يتحوَّل النَّشرُ إلى صناعةٍ، ويتحوَّل صاحبُه إلى مؤثِّرٍ يتابعه عشراتُ أو مئاتُ الآلافِ. عندها يصبحُ من المشروع أنْ نسأل عن المسؤوليَّة، وعن القيمة التي يقدِّمها، وعن أثرِ ما يقولُه في جمهور قد يكون بينه صغارُ السنِّ، ومََن يُصدِّقُونً مَا يسمعُونَ.
ربَّما نحتاجُ اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار لمعنى «المحتوى». فالمحتوى ليس مجرَّد شيءٍ ننشره، بل شيءٌ نملك ما يستحقُّ أنْ نقوله من خلاله.
وفي زمن أصبح فيه الجميعُ قادرِينَ على الكلام، لم تعد النُّدرة في الأصوات، بل في الفكرةِ.ِ ولم يعد السُّؤال: مَن يستطيع الوصول إلى النَّاس؟.. بل: مَن لديه -حقًّا- شيءٌ يستحقُّ أنْ يصلَ إليهم؟.

أخبار ذات صلة

مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
أتعلَّم.. وأجيك !
;
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
مجالس جدة
;
شيء عن إدارة المخاطر التقنية
الاستحقاق الوطني في اليمن
12 عاماً.. عَبَرَت بالمملكة نحو المستقبل
الدور المرجَّح.. والتنمية
;
معـــادلات
أين المروءة ؟!
الشخصية الإيجابية
البيعة الثانية عشرة.. عهد التطوير والإنجاز