كتاب

سلامة عنقي وأعناقكم!!

في ستِّينيَّات القرن الماضي، أجرى عالمٌ أمريكيٌّ تجربةً شهيرةً على الفئران، فركَّب على رُؤوسها أقطابًا كهربائيَّةً تُولِّد شُعورًا مُمتِعًا، وعلَّمهَا وسيلة الحصول على الشُّعور بالضَّغط على زرٍّ أحمرَ وضعه في أقفاصها الصَّغيرة.
وكانت المفاجأة أنَّ الفئران تعلَّقت بالشُّعور تعلُّقًَا عجيبًا، وكانت تستلذُّ به، وأصبحت تُكرِّر الضَّغط على الزرِّ مرَّاتٍ كثيرةً؛ لدرجة أنَّها كانت تفضِّله على الطَّعام، والنَّوم، والتَّزاوج الفطريِّ مع إناثها، وبعد أسابيع تدهورت صحَّة الفئران، وماتَ كثيرٌ منها!.

تذكَّرتُ هذه التجربة، وأنا أتأمَّلُ حالنا اليومَ نحنُ -معشرَ البشرِ-، إذ لم نعد بحاجةٍ إلى عالِمٍ يزرعُ أقطابًا كهربائيَّةً على رُؤوسنا، ولا إلى أقفاص، ولا إلى زرٍّ أحمرَ، فالزرُّ أصبح في أيدينَا، نحملُه معنا إلى غرفة النَّوم، وإلى مائدة الطَّعام، وإلى مجالسِ الأصدقاء، بل حتَّى إلى الحمَّام -أعزَّكم اللهُ-، وعندمَا نستيقظُ نبحثُ عنه قبل أيِّ شيءٍ، وننامُ وهو آخرُ شيء تراهُ أعيننَا، وتلمسه أيدينَا، وحتمًا عرفتمُوه، إنَّه الجوَّال، نضغطُ عليه للحصول على المُتعة، ضمن رسالةٍ، أو صورةٍ، أو مكالمةٍ، أو مشاهدةِ مقطعِ فيديُو، أو متابعة خبرٍ عاجلٍ، أو مباراةِ كرةِ قدم، أو تغريدةٍ تسلَّقت جبل الترند، أو ...، أو ...، أو ...، والمهمُّ هو الاستمتاعُ، ثمَّ تحصل لنا مشكلاتٌ صحيَّةٌ كثيرةٌ، وقد تكون خطيرةً!.
أنَا مثلًا اكتشفتُ أنَّ خشونة فقرات عُنقي زادتْ؛ بسبب طولِ وتوترِ التَّركيز على شاشةِ الجوَّال، وهو على ارتفاع أدنى من مستوى عيوني، وحسب الطبيب فإنَّ وزن جمجمتِي الضَّاغط على فقراتِ عنقِي في هذه الحال يبلغُ كيلوجرامات كثيرة، وأتناولُ المُسكِّنات وأُلْصِقُ اللَّصقاتِ المُزعجة على مواضعِ الآلامِ، وأدهنُ المراهمَ، وأُجرِي جلساتِ العلاجِ الطبيعيِّ، وأخيرًا قال لي الطبيب، بالحرف الواحد: لن تُشفَى حتَّى تستخدم الجوَّال بالشَّكل الصَّحيح، وبالمُدَّة القليلة والمقبولة!.

والمشكلةُ ليست في الجوَّال، فهو من أعظم أدوات العصر، وقد جمع لنا المكتبةَ، والصحيفةَ، والكاميرَا، والخريطةَ، والبنكَ، والأهلَ، والأصدقاءَ، في جهازٍ واحدٍ، والمشكلةُ تبدأ حين لا نصبحُ نحنُ الذين نستخدمه، بل يصبحُ هو الذي يستخدُمنا بلا رحمةٍ، ولا هوادةٍ، وكأنَّنا عبيدٌ له!.
وقد كانت الفئرانُ المسكينةُ داخلَ أقفاصها، ولها زرٌّ تضغطُه، أمَّا نحنُ -المساكين- فخرجنَا من أقفاصنا، وأخذنا الزرَّ معنا، وجعلناهُ أنيسنَا، ونعم الأنيس هُو، لكنْ بالاعتدالِ، وبئسَ الأنيس هُو، لكن بالإفراطِ والتَّفريطِ.
وسلامة عُنقِي وأعناقكُم.

أخبار ذات صلة

أين ذهبت النصوص الجديدة؟
في جدة.. اليوم الوطني وكأس الخليج يلتقيان
{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}(1)
(السجائر الإلكترونية).. تدمير للصحة
;
بتصنيف أو بدون تصنيف.. ماذا يتغيَّر؟
الكتاب والقراءة.. رفيقا الدرب والوحدة
مهرجان اللومي
الهتاف ضد ميت!!
;
المحتوى.. وصنَّاع اللا محتوى
سلمان.. وطنٌ وإنسانية
أتعلَّم.. وأجيك !
الأسواق الشعبية.. ذاكرة المكان وروح المدن
;
الترجمة.. كقوة ناعمة في العمل الدبلوماسي
هيئة التأمين.. تحسم الجدل
مجالس جدة
شيء عن إدارة المخاطر التقنية