منتدى
تكوين الوحش!
تاريخ النشر: 02 يوليو 2024 11:24 KSA
تؤكد الدراسات النفسية والاجتماعية بأن مرحلة الطفولة، هي أهم وأخطر مرحلة في حياة الإنسان؛ إذ إنها ترسم ملامحها على مستقبله، وتحمّله أعباءها وأثقالها بما تحمل من صور ومشاهد، ومواقف تترسب غالباً في أعماق العقل الباطن أو اللاوعي.
وفي دهاليز هذه المنطقة المُعتمة التي لا يصل إليها ضوء أو يتسلل إليها شعاع؛ تتشكل الكثير من الرؤى والأفكار التي تتحكم في بوصلة توجهات الإنسان في المستقبل فتلقي بظلالها عليه، وتحديداً لمن عاش طفولة مؤلمة، أو قاسية، أو مضطربة، الأمر الذي يضع صاحبها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يعمل على طي تلك الصفحات الموجعة، ويردم كل الصور والمشاهد الحزينة في غياهب النسيان؛ كي يعيش بأمن، وطمأنينة، وسلام مع نفسه ومع الآخرين، أو أنه يتماهى مع تلك العقد المكبوتة، والرواسب الدفينة، فيصاب باضطرابات نفسية وفكرية، وعصبية، تجعل منه في نهاية المطاف إنسانا مأزوما، أو شخصا عدوانيا، أو صاحب نزعات شريرة.
ولإدراك التعقيد التاريخي والنفسي والاجتماعي لمرحلة الطفولة، قامت عالمة النفس الدكتورة 'ألس ميلر' بعمل دراسة رائعة أثبتت فيها بالأدلة من خلال التحليل، والمناقشة، والأمثلة، خطورة التعنيف البدني واللفظي، أو ما اسمته 'بالإساءة النفسية' على ذوات الأطفال! وذلك من خلال كتابها المعنون: 'بتحطيم حائط الصمت' حيث بينت بأن 'الإساءة النفسية' التي يتلقاها الطفل من والديه، أو من بيئته، أو من محيطه الاجتماعي، كجزء من التربية؛ تنعكس سلباً على روحه، وتكوينه النفسي والفكري، وعلى سلوكه مستقبلاً.
وقد اتخذت 'ملير' من زعيم النازية أدولف هتلر، أنموذجا تطبيقيا للمشكلة، ومثالا عمليا لدراسة الحالة! فراحت تتساءل بداية: لماذا يرغب إنساناً مثل هتلر في تحطيم العالم؟
والحقيقة أن هذا السؤال يعتبر في غاية الأهمية، ومن الأسئلة ذات العيار الثقيل؛ لأنه يشير باختصار إلى المفتاح الرئيس لفهم أسباب النزعات التدميرية عند هكذا نماذج، فيبدأ بتشخيص المشكلة من جذورها، ويضع أصبعه على مكامن الخلل الموجودة في طفولة تلك الشخصيات.
ولقد أجابت الدراسات المختلفة، التي تناولت حكاية هتلر عن ذلك السؤال بما فيها مذكرات هتلر الشخصية المعنونة: 'بكفاحي' والتي لا تحتوي حقيقة على أي إضافة علمية، أو معرفية تذكر! بل على العكس من ذلك، فهي تطفح بتمجيد الذات والنرجسية، وتعجّ بمشاعر الكراهية، والاستعلائية على الآخرين! والتي قل أن نجد نظيرها في كتب أخرى، ومع ذلك فإن الإقبال على قراءتها في تزايد! إذا ما قارناها بمذكرات رمز المقاومة السلمية الزعيم السياسي الهندي، المهاتما غاندي التي أسماها: 'قصة تجاربي مع الحقيقة' ذات القيمة العلمية، والمعرفية، والفكرية، ولكنها لا تحظى بشعبية مذكرات هتلر! إذ لا يكاد يقرأها، إلاّ الصفوة، أو نخبة النخبة! وهذه قصة أخرى، وحصان من نوع آخر مختلف كما يقول التعبير الإنجليزي.
وبالعودة إلى طفولة هتلر، باعتباره النموذج الذي وضعته 'ألس ملير' في دراستها، نجد أنها عبارة عن سلسلة من الإحباطات المتكررة! بدءًا من حكاية والده الذي كان يعمل موظفا بسيطا في الجمارك، ولكنه كان في منتهى القسوة معه ومع والدته التي كانت الزوجة الثالثة لأبيه.
فقد كان يحبسه في غرفة صغيرة مظلمة؛ كنوع من العقاب، وعندما كبر الطفل أصبح يخاف من الأماكن المظلمة، حتى بات لديه فوبيا من الأماكن الضيقة، الأمر الذي تربطه بعض الدراسات النفسية بالنزعة الاستعمارية التي اِتَّسَمَ بها هتلر عند احتلاله لأوروبا عشية الحرب العالمية الثانية.
وتؤكد 'ألس ملير' أن العنف المتكرر الذي يمارسه بعض الأباء، يتحول إلى أنموذج تعليمي سيء عند بعض الأبناء! إذ تخلق السلطة الأبوية المتعسفة! أنماط سلوكية سيئة في أذهان ونفوس الأطفال؛ كحب السيطرة على الآخرين، وتأصيل ثقافة العنف بطريقة تصور لهم ذلك العنف بأنه الأسلوب الأمثل لتحقيق رغباتهم لما يريدونه من الآخرين.
وتصف 'ملير' ذلك السلوك ؛ بأنه أسوأ درس يمكن أن يتعلمه الأطفال من الأباء القساة.
ولهذا تؤكد 'ألس ملير' في دراستها القيمة، أن عقدة الشعور بالنقص والتمركز حول الذات التي عُرفت عن هتلر، قد انتقلت إليه بالوراثة؛ لأنه كان يسعي لتعويض نقائصه بالهيمنة على الآخرين، وأن تراكم النّقْمة لديه في اللاوعي، كان أحد أهم أسبابها؛ صراعات وصدمات الطفولة المكبوتة.
وبالرغم من أنه كان متفوقاً في المدرسة الابتدائية -كما تذكر الروايات- إلا أنه قد انحدر مستواه في الثانوية؛ بسبب رغبته في الفنون وبالتحديد في مجال الرسم، وقد جاء ذلك التدني كردة فعل، ونوع من التمرد على والده، الذي مات وهو في سن الثالثة عشرة من عمره، مما اضطر أمه للعمل كخادمة عند شخص يهودي! والذي كان يعاملها -كما تقول الروايات- بعنف وقسوة إلى درجة أنه كان يضربها أمام عينيه! ولعل ذلك الموقف يفسر لنا شعور الكراهية الذي تولّد في داخله ضد اليهود!
وبعد وفاة والدته، انقطعت عنه المساعدة المادية، فراح يشتغل في عدة اشغال، كجرف الثلج، وتنظيف السجاجيد، ورسم بعض البطائق البريدية الرخيصة، وكان ينام في المقاهي والحدائق! ولعل هذه المعاناة التي لحقت به في سن مبكرة، تكشف لنا الدافع الحقيقي وراء كراهيته وحقده على اليهود؛ وذلك بسبب سيطرتهم على المال، وتحكمهم في التجارة، ومفاصل الاقتصاد ولذلك سعى عندما استولى على السلطة إلى الانتقام منهم؛ عبر التضييق عليهم ومطاردتهم، وإحراقهم فيما بعد في أفران الغاز، أو ما عُرف تاريخياً بقضية 'الهولوكوست' التي ساعدت اليهود فيما بعد على التوحد والوحدة، وتوظيف ذلك الحدث اجتماعياً وسياسياً! وهذه قصة أخرى.
ويبحث كتاب 'قبل الشر' للمؤلف والمؤرخ 'براندون غوتييه' طفولة أبرز دكتاتوريي العصر الحديث، حيث قال عن أدولف هتلر: 'أنه كان شاباً أكثر سخافة من كونه مستبداً! فلقد تجنب النشاط البدني، باستثناء المشي والسباحة في بعض الأحيان، وقراءة بعض روايات الغرب المتوحش! وكان خجولا جداً في الحُبّ لدرجة أنه لم يخبر امرأة شابة تدعى ستيفاني أبداً عن إعجابه بها'.
وهنا يجب أن نتوقف عند هذه القصة ونتساءل: ماذا لو تفرغ هتلر للحُبّ؟
أعتقد لو أن ذلك حدث؛ لربما سلِمت البشرية من أكبر مجزرة حدثت في التاريخ، ولنَجَا الملايين من القتل والتدمير والتهجير! لأن الإنسان الذي يعيش الحُبّ مع نفسه ومع الآخرين، لن يجد الوقت الكافي لإرضاء النزعات المريضة التي في داخله.
ولعل التساؤل المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن بعد استعراض تلك الدراسات: هل بيئة الطفولة البائسة والتعيسة التي يعيشها الكثير من الناس، هل هي وحدها فقط المسؤولة عن تصدير تلك النماذج المأزومة نفسياً، والمشوهة فكرياً؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟
الحقيقة أنه يصعب الإجابة بشكل قطعي وحاسم، ولكن من المؤكد أن بيئة القسوة، والإحباط، وبيئة النفي والإقصاء، هي النواة المركزية لخلق تلك الشخصيات، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار دراسات علم النفس الحديثة التي تقول بأن قدرة الإنسان على تغيير ذاته لا تتجاوز ٢٠٪ بينما تتحكم الأسرة والبيئة والمحيط الاجتماعي في ٨٠٪ من ذلك التغيير، مما يؤكد صحة النظرية القديمة التي قالت بأن الإنسان عبارة عن نتاج لصناعة البيئة، وانعكاس لصياغة الثقافة.
ومن هنا ندرك حجم تأثير وأثر البيئة في صنع النماذج السيئة التي لا يقتصر اذاها على نفسها، بل أنه يتجاوز للآخرين مما جعل 'براندون غوتييه' يضع الوصفة المناسبة لمعرفة تلك النماذج في وقت مبكر، عندما قال: 'نحتاج فقط رؤية الوحش في طور التكوين'.
وفي دهاليز هذه المنطقة المُعتمة التي لا يصل إليها ضوء أو يتسلل إليها شعاع؛ تتشكل الكثير من الرؤى والأفكار التي تتحكم في بوصلة توجهات الإنسان في المستقبل فتلقي بظلالها عليه، وتحديداً لمن عاش طفولة مؤلمة، أو قاسية، أو مضطربة، الأمر الذي يضع صاحبها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يعمل على طي تلك الصفحات الموجعة، ويردم كل الصور والمشاهد الحزينة في غياهب النسيان؛ كي يعيش بأمن، وطمأنينة، وسلام مع نفسه ومع الآخرين، أو أنه يتماهى مع تلك العقد المكبوتة، والرواسب الدفينة، فيصاب باضطرابات نفسية وفكرية، وعصبية، تجعل منه في نهاية المطاف إنسانا مأزوما، أو شخصا عدوانيا، أو صاحب نزعات شريرة.
ولإدراك التعقيد التاريخي والنفسي والاجتماعي لمرحلة الطفولة، قامت عالمة النفس الدكتورة 'ألس ميلر' بعمل دراسة رائعة أثبتت فيها بالأدلة من خلال التحليل، والمناقشة، والأمثلة، خطورة التعنيف البدني واللفظي، أو ما اسمته 'بالإساءة النفسية' على ذوات الأطفال! وذلك من خلال كتابها المعنون: 'بتحطيم حائط الصمت' حيث بينت بأن 'الإساءة النفسية' التي يتلقاها الطفل من والديه، أو من بيئته، أو من محيطه الاجتماعي، كجزء من التربية؛ تنعكس سلباً على روحه، وتكوينه النفسي والفكري، وعلى سلوكه مستقبلاً.
وقد اتخذت 'ملير' من زعيم النازية أدولف هتلر، أنموذجا تطبيقيا للمشكلة، ومثالا عمليا لدراسة الحالة! فراحت تتساءل بداية: لماذا يرغب إنساناً مثل هتلر في تحطيم العالم؟
والحقيقة أن هذا السؤال يعتبر في غاية الأهمية، ومن الأسئلة ذات العيار الثقيل؛ لأنه يشير باختصار إلى المفتاح الرئيس لفهم أسباب النزعات التدميرية عند هكذا نماذج، فيبدأ بتشخيص المشكلة من جذورها، ويضع أصبعه على مكامن الخلل الموجودة في طفولة تلك الشخصيات.
ولقد أجابت الدراسات المختلفة، التي تناولت حكاية هتلر عن ذلك السؤال بما فيها مذكرات هتلر الشخصية المعنونة: 'بكفاحي' والتي لا تحتوي حقيقة على أي إضافة علمية، أو معرفية تذكر! بل على العكس من ذلك، فهي تطفح بتمجيد الذات والنرجسية، وتعجّ بمشاعر الكراهية، والاستعلائية على الآخرين! والتي قل أن نجد نظيرها في كتب أخرى، ومع ذلك فإن الإقبال على قراءتها في تزايد! إذا ما قارناها بمذكرات رمز المقاومة السلمية الزعيم السياسي الهندي، المهاتما غاندي التي أسماها: 'قصة تجاربي مع الحقيقة' ذات القيمة العلمية، والمعرفية، والفكرية، ولكنها لا تحظى بشعبية مذكرات هتلر! إذ لا يكاد يقرأها، إلاّ الصفوة، أو نخبة النخبة! وهذه قصة أخرى، وحصان من نوع آخر مختلف كما يقول التعبير الإنجليزي.
وبالعودة إلى طفولة هتلر، باعتباره النموذج الذي وضعته 'ألس ملير' في دراستها، نجد أنها عبارة عن سلسلة من الإحباطات المتكررة! بدءًا من حكاية والده الذي كان يعمل موظفا بسيطا في الجمارك، ولكنه كان في منتهى القسوة معه ومع والدته التي كانت الزوجة الثالثة لأبيه.
فقد كان يحبسه في غرفة صغيرة مظلمة؛ كنوع من العقاب، وعندما كبر الطفل أصبح يخاف من الأماكن المظلمة، حتى بات لديه فوبيا من الأماكن الضيقة، الأمر الذي تربطه بعض الدراسات النفسية بالنزعة الاستعمارية التي اِتَّسَمَ بها هتلر عند احتلاله لأوروبا عشية الحرب العالمية الثانية.
وتؤكد 'ألس ملير' أن العنف المتكرر الذي يمارسه بعض الأباء، يتحول إلى أنموذج تعليمي سيء عند بعض الأبناء! إذ تخلق السلطة الأبوية المتعسفة! أنماط سلوكية سيئة في أذهان ونفوس الأطفال؛ كحب السيطرة على الآخرين، وتأصيل ثقافة العنف بطريقة تصور لهم ذلك العنف بأنه الأسلوب الأمثل لتحقيق رغباتهم لما يريدونه من الآخرين.
وتصف 'ملير' ذلك السلوك ؛ بأنه أسوأ درس يمكن أن يتعلمه الأطفال من الأباء القساة.
ولهذا تؤكد 'ألس ملير' في دراستها القيمة، أن عقدة الشعور بالنقص والتمركز حول الذات التي عُرفت عن هتلر، قد انتقلت إليه بالوراثة؛ لأنه كان يسعي لتعويض نقائصه بالهيمنة على الآخرين، وأن تراكم النّقْمة لديه في اللاوعي، كان أحد أهم أسبابها؛ صراعات وصدمات الطفولة المكبوتة.
وبالرغم من أنه كان متفوقاً في المدرسة الابتدائية -كما تذكر الروايات- إلا أنه قد انحدر مستواه في الثانوية؛ بسبب رغبته في الفنون وبالتحديد في مجال الرسم، وقد جاء ذلك التدني كردة فعل، ونوع من التمرد على والده، الذي مات وهو في سن الثالثة عشرة من عمره، مما اضطر أمه للعمل كخادمة عند شخص يهودي! والذي كان يعاملها -كما تقول الروايات- بعنف وقسوة إلى درجة أنه كان يضربها أمام عينيه! ولعل ذلك الموقف يفسر لنا شعور الكراهية الذي تولّد في داخله ضد اليهود!
وبعد وفاة والدته، انقطعت عنه المساعدة المادية، فراح يشتغل في عدة اشغال، كجرف الثلج، وتنظيف السجاجيد، ورسم بعض البطائق البريدية الرخيصة، وكان ينام في المقاهي والحدائق! ولعل هذه المعاناة التي لحقت به في سن مبكرة، تكشف لنا الدافع الحقيقي وراء كراهيته وحقده على اليهود؛ وذلك بسبب سيطرتهم على المال، وتحكمهم في التجارة، ومفاصل الاقتصاد ولذلك سعى عندما استولى على السلطة إلى الانتقام منهم؛ عبر التضييق عليهم ومطاردتهم، وإحراقهم فيما بعد في أفران الغاز، أو ما عُرف تاريخياً بقضية 'الهولوكوست' التي ساعدت اليهود فيما بعد على التوحد والوحدة، وتوظيف ذلك الحدث اجتماعياً وسياسياً! وهذه قصة أخرى.
ويبحث كتاب 'قبل الشر' للمؤلف والمؤرخ 'براندون غوتييه' طفولة أبرز دكتاتوريي العصر الحديث، حيث قال عن أدولف هتلر: 'أنه كان شاباً أكثر سخافة من كونه مستبداً! فلقد تجنب النشاط البدني، باستثناء المشي والسباحة في بعض الأحيان، وقراءة بعض روايات الغرب المتوحش! وكان خجولا جداً في الحُبّ لدرجة أنه لم يخبر امرأة شابة تدعى ستيفاني أبداً عن إعجابه بها'.
وهنا يجب أن نتوقف عند هذه القصة ونتساءل: ماذا لو تفرغ هتلر للحُبّ؟
أعتقد لو أن ذلك حدث؛ لربما سلِمت البشرية من أكبر مجزرة حدثت في التاريخ، ولنَجَا الملايين من القتل والتدمير والتهجير! لأن الإنسان الذي يعيش الحُبّ مع نفسه ومع الآخرين، لن يجد الوقت الكافي لإرضاء النزعات المريضة التي في داخله.
ولعل التساؤل المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن بعد استعراض تلك الدراسات: هل بيئة الطفولة البائسة والتعيسة التي يعيشها الكثير من الناس، هل هي وحدها فقط المسؤولة عن تصدير تلك النماذج المأزومة نفسياً، والمشوهة فكرياً؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟
الحقيقة أنه يصعب الإجابة بشكل قطعي وحاسم، ولكن من المؤكد أن بيئة القسوة، والإحباط، وبيئة النفي والإقصاء، هي النواة المركزية لخلق تلك الشخصيات، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار دراسات علم النفس الحديثة التي تقول بأن قدرة الإنسان على تغيير ذاته لا تتجاوز ٢٠٪ بينما تتحكم الأسرة والبيئة والمحيط الاجتماعي في ٨٠٪ من ذلك التغيير، مما يؤكد صحة النظرية القديمة التي قالت بأن الإنسان عبارة عن نتاج لصناعة البيئة، وانعكاس لصياغة الثقافة.
ومن هنا ندرك حجم تأثير وأثر البيئة في صنع النماذج السيئة التي لا يقتصر اذاها على نفسها، بل أنه يتجاوز للآخرين مما جعل 'براندون غوتييه' يضع الوصفة المناسبة لمعرفة تلك النماذج في وقت مبكر، عندما قال: 'نحتاج فقط رؤية الوحش في طور التكوين'.