كتاب

أوهام الأمن القومي

لطالما تردَّد مصطلح «الأمن القوميِّ العربيِّ» في ردهات القِمم والاجتماعات، وصُدِّر للشُّعوب كدورعٍ حصينةٍ تحمي سائر الأعضاء من الحُمَّى والسَّهر. إلَّا أنَّ المحطَّات الفاصلة -وآخرها المواجهة المباشرة بين المحور الأمريكيِّ وإيران- كشفت أنَّ هذا المفهوم، في شقِّه التضامنيِّ، لا يزال يراوح مكان الشِّعارات المستهلكة، بينما الواقعُ السياسيُّ يشي بتناقضات عميقةٍ تُعيد صياغة مفهوم التَّحالفات في المنطقة.

ولأنَّ خيبات الذَّاكرة لا تموتُ، فلا يمكن للمراقب أنْ يغفل وجه الشَّبه بين المشهد الرَّاهن وبين تلك اللَّحظة القاتمة في مطلع التسعينيَّات؛ حين انقسم «الصفُّ العربيُّ» إِزاء غزو الكويت. تلك الخيانة التي حفرت عميقًا في الوجدان الخليجيِّ، تتكرَّر اليوم بأشكالٍ مختلفةٍ. فبينما كانت دولُ الخليج تنتظرُ موقفًا عربيًّا جامعًا وحازمًا تجاه التَّهديدات الوجوديَّة التي تمثِّلها الأذرع الإيرانيَّة، جاءت ردود الفعل متباينةً بشكلٍ صادمٍ:


- حيادٌ سلبيٌّ: من دول طالما اعتبرت الخليج عمقَها الإستراتيجي.

- احتجاجٌ خَجُولٌ: لا يُسمن ولا يُغني من جوعٍ.


- تأييدٌ مبطَّنٌ للعدوانِ: يعكس ارتهان بعض الأنظمة لأجندات لا تخدم المصالح العربيَّة المشتركة.

هذا التباينُ يُسقِط ورقةَ التوت عن وعود «الدفاع المشترك»، ويؤكِّد أنَّ «الأمن العربيَّ» بات بالنسبة للبعض مجرَّد ورقة للمساومة، أو شعارًا للمناسبات البروتوكوليَّة.

المفارقة المؤلمة تكمن في «نكران الجميل» الإستراتيجيِّ. فالدول الخليجيَّة، وعلى رأسها المملكة العربيَّة السعوديَّة، لم تتعامل يومًا مع محيطها العربيِّ من منطلق الانكفاء. بل كانت -ولا تزال- الرِّئة الاقتصاديَّة والسياسيَّة التي تنفَّس منها الكثيرُ من الأشقَّاء في أزماتهم:

الدعمُ التنمويُّ: المليارات التي ضُخَّت في اقتصادات عربيَّة؛ لإنقاذها من الانهيار.

المواقفُ السياسيَّة: تبنِّي القضايا العربيَّة المركزيَّة في المحافل الدوليَّة بكلِّ ثقلٍ سياسيٍّ.

فتحُ الأبوابِ: احتضانُ الملايين من الكوادر العربيَّة التي ساهمت في بناء الخليج، وبنت أوطانها من خلاله.

ولعلَّ الدرس الأبرز الذي خرجتْ به دول الخليج من هذه المخاضات، هو «الاعتماد على الذات». لقد أثبتت دول المنطقة، بفضل رؤى قياديَّة حديثة، وتطوير عسكريٍّ نوعيٍّ، قدرتها على التصدِّي لاعتداءات إيران، ومسيَّراتها، وصواريخها بفاعليَّةٍ أذهلت المراقبِينَ، ودون الحاجة لانتظار فيالق «الأمن القوميِّ» التي تاهت في (السِّكَّة)..

هذا النجاح في تحييد الخطر الإيرانيِّ، لم يكن نتاج صدفة، بل نتيجة استثمار طويل في المنظومات الدفاعيَّة، وبناء إستراتيجيَّة «الردع الذاتيِّ». لقد ولَّى زمنُ الرِّهان على الأوهام، وبدأ عصر التَّحالفات القائمة على المصالح الحقيقيَّة، والقدرات الفعليَّة على الأرض.

خاتمة:

إنَّ المشهد الحاليَّ يضع الجميع أمام مرآة الحقيقة، فالأمن لا يُستجدَى، والسِّيادة لا تُبنَى على شعاراتٍ عاطفيَّةٍ. فقد اختار الخليجُ طريق الفعل والصمود، تاركًا لمن يقتاتُونَ على الشِّعارات مراجعة حساباتهم قبل أنْ يجدوا أنفسهم خارج حسابات التَّاريخ الجديد للمنطقة.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة