كتاب

طيــــــب

يحمل العنوان كلمةً ذات معانٍ جميلةٍ ومتنوِّعةٍ، ومن بينها معنى الاتِّفاق، بوصفه ثمرةً لتفاوض يجري على مستويات متعدِّدة: شخصيَّة، أو جماعيَّة، أو حتى أمميَّة. واليوم يشهد العالم واحدةً من أهم الاتِّفاقيات التي تنهي الحرب الإيرانيَّة. وثيقة واحدة، لا يزيد عدد كلماتها كثيرًا على ثلاثة أمثال محتوى هذا المقال، تنهي حرب الأشهر الأربعة التي هزَّت العالم بأكمله. وللتفاوض أصوله العلميَّة في مجالات علم السياسة، وعلم النفس، والرياضيَّات، وعلم الاجتماع، كما أنَّ له أدواته التي قد تشمل الاسترضاء، والخداع، والبكش بأنواعه المختلفة. وقد نشأت في جامعات عديدة تخصًّصات ومراكز دراسات تُعنى بعلوم وفنون التفاوض، وتهدف إلى الارتقاء بإدارته وممارساته. ومن أهم رسائلها أنَّ التفاوض السليم ليس نشاطًا صفريًّا؛ أي أنَّ مكاسب طرف لا ينبغي أنْ تكون خسارةً للطَّرف الآخر. فالأصل أنْ يكسب الجميع حين يرتقي التفاوضُ؛ ليركِّز على القضايا بدلًا من الأشخاص أو المجموعات، ويضع المكاسب في أطر واضحة، ويعمِّق فهم كل جانب لمواقف الجانب الآخر، بعيدًا عن صفقات القوة وموازين الغلبة.
وبالرغم من وجاهة هذه الرسائل في نظريَّات التفاوض وعلومه، فإنَّ هناك إضافاتٍ تستحقُّ وقفات تأمل، لا تأتي هذه المرَّة من عالم البشر، بل من عوالم أخرى. وأحد الأمثلة الجميلة نجده في الطائرات الحديثة؛ حيث تطبِّق تقنيات الطيران ما يشبه مبادئ التفاوض بين أجزائها؛ لضمان سلامة الرحلة، وراحتها، وفعاليتها، وبالذات في عمل الطيَّار الآلي في أحدث طائرات البوينج 787. والجهاز من صناعة شركة «هوني ويل»، واسمها الظريف يعني «بئر عسل» بما يوحي بالحلاوة. وخلال عمله المذهل، يجري «تصويت» إلكتروني ملايين المرَّات عبر قنوات مختلفة متَّصلة بمستشعرات موزَّعة على أجزاء الطائرة. وبمشيئة الله، ثمَّ بتوجيه الطيَّارين، يتحكَّم الجهاز في خمس قيم أساسيَّة: سرعة الطائرة، وارتفاعها، واتجاهها، ومعدل صعودها ونزولها، ومقدار دفع محركاتها. وهذه القيم لا تقوم على جهاز واحد، بل على منظومة متكاملة من المكوِّنات التقنيَّة المذهلة. ونحن نجلس داخل الطائرة من دون أنْ نشعر بذلك التفاوض الدقيق.

ويوجد ما هو أروع، فبداخل كل واحد منَّا نجد منظومات المناعة التي تحتوي على معجزات كرم الله. وعندما أُعلن عن جائزة نوبل في مجال الطبِّ وعلم وظائف الأعضاء لعام 2025، كُشف عن جانب من تلك المعجزات: آليَّات الدفاع بداخلنا تتكوَّن من مجموعات مختلفة من الأنظمة؛ بعضها يعتمد على ذاكرة بيولوجيَّة تاريخيَّة تتشكَّل منذ بدايات خلق أجسامنا، وبعضها يتكوَّن أثناء تعرُّضنا للمخاطر. وتتجاوب هذه الأنظمة بطرق مختلفة مع التهديدات لصحتنا، عبر آليَّات تتَّسم باللامركزيَّة، وبما يشبه التفاوض، والاستجواب، والتحقُّق. وبعضها يضع مكابح للتفاعلات حتَّى لا تتجاوز ردود الفعل حدود الخطر الحقيقي. ومن روائع هذه المنظومة أنَّها، بطريقة أو بأُخْرى، تصوِّت لمقدار الاستجابة المطلوبة؛ لضمان الحماية. فسبحان الله العظيم.
أمنيــــــة

بالرغم من التطوُّرات الكبيرة في علوم التفاوض داخل أرقى الجامعات، لا تزال الممارسة الإنسانيَّة للتفاوض، في كثير من صورها، متدنِّية الفعاليَّة والوجاهة والمنطق. وأمنيتي أنْ يستفيد العالم في تطوير فنون التفاوض من ذلك الثراء الهائل في علوم الهندسة والطِّب، لعل التفاوض الإنساني يرتقي إلى ما يُرضِي الله.

أخبار ذات صلة

جمعية الأوقاف الصحية
إعادة تعريف غاية التعليم الجامعي
رجال حول الأمير (3)
قطاع الضيافة.. والمحتوى المحلي
;
عندما يتحول الاحتلال إلى أزمة دبلوماسية
هل يتحقق السلام الضروري للوصول إلى الاستقرار؟
القطاع الطبي السعودي.. وصناعة الأمان
النبي عيسى والتريليونير ماسك!!
;
أجدادنا ونظام (الطيبات)!
قوة الاستغناء.. وسكينة الاكتفاء
حين تتحول الهوية الثقافية إلى محرك اقتصادي مستدام
نشأة الصحافة السعودية
;
رعاية الموهوبين.. استثمار في العقول وصناعة للمستقبل
أوليفيا وجيانا.. قصة نجاح سعودية جديدة
الهيئة الملكية للجبيل وينبع.. الجودة في التعليم والأولى بالتوظيف
حديث عن «التكريم»