كتاب

جدة حاضنة المدائن

تتمايز الحواضرُ الإنسانيَّة في طريقة تشكُّل هويتها، فبينما تقفُ مدنٌ عند حدود قيمتها العمرانيَّة، أو الصخريَّة، تبرز مدنٌ أُخرى ككيانات صاغها التَّاريخُ من طين الذَّاكرة الإنسانيَّة، وجعلها تنبض بالحياة. وتأتي مدينة جدَّة في مقدِّمة هذه الحواضر التي لا يمكن اختزالها في جغرافيا صامتة، بل هي حالة شعوريَّة متجدِّدة، ألهمت الوجدان الأدبي، حيث اختصر رائدُ التَّجديد حمزة شحاتة كينونتها بوصفها الرُّؤية الحالمة التي لا تفيق، في محاكاة بليغة لمدينة تقف في ذهول إيجابيٍّ دائمٍ أمام بحرها الذي يغسل تفاصيلها كلَّ يوم.
ولعلَّ هذا العُمق هو ما يجعلنا نُعيد قراءة الإرث الثقافيِّ للمدينة بوعيٍ مغايرٍ. فحين نتأمَّل البيت السائر للشَّاعر بديوي الوقداني:

«علَّ الحَيَا مَا يَجِي جدَّة
لوْ ربعتْ كلُّ الأوطَانِ»

والذي توقَّف عنده المؤرِّخُون والنقَّاد ملِّيًا، نجد أنَّ التمحيص الموضوعي يخرجه من سياق الهجاء الظَّاهري للمكان، ليضعه في إطاره الحقيقي: زفرة عتب إنسانيَّة حارَّة تجاه تبدُّل السلوكيَّات، وغياب بعض قِيم الوفاء، التي كانت تزدان بها الحارات القديمة. غير أنَّ جدَّة، بوعائها الإنسانيِّ الرَّحب، ظلَّت تؤكِّد -عبر تاريخها- أنَّ الحَيَا والمطر الحقيقي يسكنُ في وجدان وأفئدة مجتمعها، قبل أنْ يتساقط على أرصفتها. وإذا كانت القدس قد اقترنت بلقب «زهرة المدائن»؛ لما تحمله من قدسية وجلال، فإنَّ الاستحقاق التاريخي والحضاري يمنح جدة لقب «حاضنة المدائن».
إنَّ هذا التوصيف ليس مجرَّد ترفٍ بلاغيٍّ، أو صياغة إنشائيَّة عابرة، بل هو انعكاس لدورها الكونيِّ واللوجستيِّ كبوابةٍ رئيسة للحرمين الشَّريفين. لقد كانت هذه المدينة، على مدى آلاف السِّنين، الوعاء الأوَّل الذي استقبل، واحتضن وفود الرَّحمن القادمين من كلِّ حدب وصوب.
وفي هذا المرفأ العريق، وأزقَّته التاريخيَّة، تلاقت لُغات الأمم، وانصهرت الثقافات المتنوِّعة؛ لتصهرها جدَّة في قالب هويتها الخاصّة المرتكزة على قيم القبول والتَّسامح، حتى يغدو المغتربُ فيها ابنًا للمكان بمجرَّد استنشاق بهائها.
هذا البعدُ الإنسانيُّ يتقاطع بوضوحٍ مع الجذر التاريخيِّ للمدينة المرتبط بالجَدَّة الأُولى «حواء»، في رمزيَّة مكثَّفة تدلُّ على البدايات والأمومة. فهي تمثِّل المحطَّة الوجدانيَّة، والتمهيد الرُّوحي الذي يمرُّ عبره الزائرُ؛ ليتخفَّف من رهق الدُّنيا، وعناء السَّفر، متهيِّئًا ومغتسلًا بالسَّكينة قبل المثولِ في رحاب مكَّة المكرَّمة الطَّاهرة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه مملكتنا الغالية حِراكًا تنمويًّا شاملًا وغير مسبوق، تبرز جدَّة اليوم، كشاهدٍ حيٍّ يمزجُ بين عراقة الماضي العتيق، وطموحات المستقبل الإستراتيجيَّة، من خلال مشروعات التَّطوير الكُبرى التي تعزِّز موقعها كمرفأ عالميٍّ جاذبٍ.
ومن هذا المنطلق، نضعُ أمام معالي أمين محافظة جدَّة، والمسؤولين في الأمانة، مقترحًا يواكبُ هذا التحوُّل؛ بتبنِّي لقب «حاضنة المدائن» كشعارٍ ثقافيٍّ، وهويَّة سياحيَّة رسميَّة للمدينة. إنَّ هذا المُسمَّى يختزلُ رسالتها الإنسانيَّة، ويعبِّر بدقَّة عن وظيفتها التاريخيَّة كبوابةٍ احتضنت حضارات العالم عبر العصور.
ستظلُّ جدَّة دائمًا هي حاضنة المدائن، التي تمنحنا أبعادًا جديدةً للرُّؤية، وتثبتُ أنَّ المدن العظيمة هي تلك التي تسكنُ وعينا وتفاصيلنا؛ لتبقى طموحاتنا على شواطئها دائمًا وأبدًا.. حالمةً لا تفيقُ.

أخبار ذات صلة

كذبة بيولوجيَّة وعلميَّة
تظاهرة كأس العالم.. كيف نستثمرها؟
أدبي المدينة.. نحن بانتظاركم
التواضع.. المكانة الحقيقية التي تبقى
;
وزارة الثقافة.. جهود تاريخية جدة
المخدرات.. حرب لا تعرف التهاون
مستقبلنا في صناعتنا
الأحياء المطورة.. حين يصبح الحي مشروع حياة!
;
القول المُنتجب في أحبِّ مُنتخب
العلم والتعليم
البحث والابتكار في جامعة المؤسس: إستراتيجية جديدة
سجل ثقافي اجتماعي مترابط
;
الحكمة
رجل من الشمال
أشخاص في حياتنا.. ليسوا صدفة
أبعدوهم عن المنتخب!!