كتاب
لكل وجه وقامة «حكاية»
تاريخ النشر: 21 يوليو 2026 22:46 KSA
نمرُّ كلَّ يوم بالوجوه، أو تمرُّنَا، دون أنْ نقرأ شيئًا يشي بما يختبئ خلفها. ربَّما نجد تلك الفرصة للتأمُّل فيمن يمرُّون بنا ونحن في حالة انتظار. في مستشفى مثلًا، حيث الانتظار يطول بقدرِ طولة البال، والقدرة على الصَّبر؛ نجد فرصةً للتأمُّل. نرقبُ حركة المارِّين والدَّاخلين غرفة الانتظار، أو أنَّنا جلوس في مقهى منفردِين نتأمَّل وجوه البشر وقاماتِهم، وأحيانًا تشدُّنا بعض الوجوه لنتأمَّلها بقوَّة، ربما نستلهمُ من ملامحها أو حركة الأجساد شيئًا يشي بحكاياتٍ مخفيَّةٍ خلف التجهُّم أو الابتسام، خلف انحناء القامة، أو استقامتها بشكل مبالغ، كذلك النَّظرات التي تفضح المخبوء من الحكايات النائمة خلف وجوه البشر وقاماتهم.
وجهٌ تبدو عليه الصَّرامة، وربَّما يخفي قلبًا أنهكته الخيبات. ووجهٌ يفيضُ بالابتسام، لكنَّه قد يكون اعتاد أنْ يخبِّئ دموعه خلف ضحكة واثقة. وقامةٌ منتصبة لا تعني بالضَّرورة حياةً مستقرَّةً، فقد تكون قد تعلَّمت الوقوف بعد سقوطٍ طويلٍ.
في زمن السُّرعة، لم نعد نمنحُ أنفسنا رفاهيَّة التأمُّل في البشر. أصبحنا نقرأ الوجوه كما نقرأ العناوين السَّريعة، ونصدر الأحكام كما نضغط زر الإعجاب أو التجاهل. بضع ثوانٍ تكفي لتصنيف إنسانٍ لا نعرفُ عنه شيئًا، وكأنَّ العمر كله يمكن اختزاله في هيئةٍ أو ملامحَ أو طريقةِ حديثٍ.
لكنَّ الحياة أكثر عدلًا من أحكامنا السَّريعة، وأكثر تعقيدًا من انطباعاتِنا الأُولى.
ما من إنسان إلَّا ويحمل في ذاكرته لحظةً غيَّرته، أو خسارةً أعادت تشكيله، أو حلمًا ما زال ينتظرُ دوره. بعضُ الحكايات تتركُ آثارها على الملامح، وبعضُها يستقرُّ عميقًا فلا يراهُ أحدٌ. لذلك كثيرًا ما نُفَاجأ عندما نكتشفُ أنَّ الشخص الذي بدا لنا عاديًّا قد خاض معاركَ لا يتَّسعُ لها كتابٌ، أو أنَّ امرأةً تجلسُ في هدوءٍ تحمل تاريخًا من التَّضحية والصَّبر، أو أنَّ شيخًا يطالعُ المارَّة بصمتٍ تختزنُ ذاكرتُه مدينةً كاملةً اندثرت، أو تغيَّرت.
ولعلَّ أكثر ما نفتقدُه اليوم، هو الإصغاء. لا الإصغاء للكلماتِ فقط، بل الإصغاء لما تخفيه الكلماتُ. أصبح الجميعُ يتحدَّث، بينما يقلُّ مَن يُنصت. وربَّما لو أصغينا قليلًا؛ لاكتشفنا أنَّ اختلاف النَّاس ليس سببًا للنفور، بل بابًا لفهم أوسع للحياة.
في المدن الكبيرة، حيث تتقاطع آلاف الوجوه كلَّ يوم، تبدو الغربة أكثر قسوةً. يمضي النَّاس متجاورِين، لكنَّهم نادرًا ما يلتقُون حقًّا. كل واحد يحمل عالمه الخاص، وهمومه وأسئلته وآماله، ومع ذلك لا يرى الآخرُ إلَّا بوصفهِ عابرًا في الطَّريق. وربَّما لهذا السَّبب أصبحت الإنسانيَّة اليوم، بحاجةٍ إلى أنْ تستعيدَ فضيلة الاهتمام بالإنسانِ قبل أيِّ شيءٍ آخرَ.
ليست الحكايات حكرًا على المشاهير، أو أصحاب المناصب. بل إنَّ أجمل الحكايات كثيرًا ما نجدها عند أولئك الذين لم تكتب الصحف عنهم يومًا، ولم تلتقط لهم عدساتُ الكاميرات صورةً. العاملُ الذي يبدأ نهاره قبل الفجر، والأُم التي تخوضُ معركتها اليوميَّة بصمتٍ، والمعلِّم الذي يزرعُ أثرًا لا يراه إلَّا بعد سنواتٍ، والطَّبيب الذي يحمل معه إلى بيته شيئًا من آلام مرضاه، جميعهم يكتبُون كلَّ يومٍ صفحاتٍ جديدةً من رُواية الحياةِ.
ولذلك، ربَّما يجدرُ بنا أنْ نخفِّف قليلًا من أحكامنا، وأنْ نوسِّع مساحة التعاطف في قلوبنا. فما نراهُ ليس إلَّا الصفحة الأُولى، أمَّا الفصول الحقيقيَّة فتظلُّ مخفيَّةً خلف الملامح.
لكلِّ وجهٍ قصَّة، ولكلِّ قامةٍ رحلة، ولكلِّ عينٍ ذاكرة لا يقرأها المارَّةُ. وإذا كانت الكتب تعلمنا كيف نفهم البشر، فإنَّ الحياة تمنحنا كل يوم مكتبة مفتوحة تمشي على قدمين، تنتظر فقط من يقرأها بقلب أكثر رحمة، وبعينٍ أقل استعجالًا.
ففي النهاية، لسنا مجرَّد وجوه تتشابه في الزحام، بل حكايات تمشي بين النَّاس، بعضها كُتب بالحبر، وأكثرها كُتب بالصَّبر.
ترى.. كم حكاية مرَّت بنا اليوم، ولم نلتفت إليها، وكم إنسانًا حكمنا عليه من ملامحه، بينما كانت حياته تروى قصَّة مختلفة تمامًا؟!.
وجهٌ تبدو عليه الصَّرامة، وربَّما يخفي قلبًا أنهكته الخيبات. ووجهٌ يفيضُ بالابتسام، لكنَّه قد يكون اعتاد أنْ يخبِّئ دموعه خلف ضحكة واثقة. وقامةٌ منتصبة لا تعني بالضَّرورة حياةً مستقرَّةً، فقد تكون قد تعلَّمت الوقوف بعد سقوطٍ طويلٍ.
في زمن السُّرعة، لم نعد نمنحُ أنفسنا رفاهيَّة التأمُّل في البشر. أصبحنا نقرأ الوجوه كما نقرأ العناوين السَّريعة، ونصدر الأحكام كما نضغط زر الإعجاب أو التجاهل. بضع ثوانٍ تكفي لتصنيف إنسانٍ لا نعرفُ عنه شيئًا، وكأنَّ العمر كله يمكن اختزاله في هيئةٍ أو ملامحَ أو طريقةِ حديثٍ.
لكنَّ الحياة أكثر عدلًا من أحكامنا السَّريعة، وأكثر تعقيدًا من انطباعاتِنا الأُولى.
ما من إنسان إلَّا ويحمل في ذاكرته لحظةً غيَّرته، أو خسارةً أعادت تشكيله، أو حلمًا ما زال ينتظرُ دوره. بعضُ الحكايات تتركُ آثارها على الملامح، وبعضُها يستقرُّ عميقًا فلا يراهُ أحدٌ. لذلك كثيرًا ما نُفَاجأ عندما نكتشفُ أنَّ الشخص الذي بدا لنا عاديًّا قد خاض معاركَ لا يتَّسعُ لها كتابٌ، أو أنَّ امرأةً تجلسُ في هدوءٍ تحمل تاريخًا من التَّضحية والصَّبر، أو أنَّ شيخًا يطالعُ المارَّة بصمتٍ تختزنُ ذاكرتُه مدينةً كاملةً اندثرت، أو تغيَّرت.
ولعلَّ أكثر ما نفتقدُه اليوم، هو الإصغاء. لا الإصغاء للكلماتِ فقط، بل الإصغاء لما تخفيه الكلماتُ. أصبح الجميعُ يتحدَّث، بينما يقلُّ مَن يُنصت. وربَّما لو أصغينا قليلًا؛ لاكتشفنا أنَّ اختلاف النَّاس ليس سببًا للنفور، بل بابًا لفهم أوسع للحياة.
في المدن الكبيرة، حيث تتقاطع آلاف الوجوه كلَّ يوم، تبدو الغربة أكثر قسوةً. يمضي النَّاس متجاورِين، لكنَّهم نادرًا ما يلتقُون حقًّا. كل واحد يحمل عالمه الخاص، وهمومه وأسئلته وآماله، ومع ذلك لا يرى الآخرُ إلَّا بوصفهِ عابرًا في الطَّريق. وربَّما لهذا السَّبب أصبحت الإنسانيَّة اليوم، بحاجةٍ إلى أنْ تستعيدَ فضيلة الاهتمام بالإنسانِ قبل أيِّ شيءٍ آخرَ.
ليست الحكايات حكرًا على المشاهير، أو أصحاب المناصب. بل إنَّ أجمل الحكايات كثيرًا ما نجدها عند أولئك الذين لم تكتب الصحف عنهم يومًا، ولم تلتقط لهم عدساتُ الكاميرات صورةً. العاملُ الذي يبدأ نهاره قبل الفجر، والأُم التي تخوضُ معركتها اليوميَّة بصمتٍ، والمعلِّم الذي يزرعُ أثرًا لا يراه إلَّا بعد سنواتٍ، والطَّبيب الذي يحمل معه إلى بيته شيئًا من آلام مرضاه، جميعهم يكتبُون كلَّ يومٍ صفحاتٍ جديدةً من رُواية الحياةِ.
ولذلك، ربَّما يجدرُ بنا أنْ نخفِّف قليلًا من أحكامنا، وأنْ نوسِّع مساحة التعاطف في قلوبنا. فما نراهُ ليس إلَّا الصفحة الأُولى، أمَّا الفصول الحقيقيَّة فتظلُّ مخفيَّةً خلف الملامح.
لكلِّ وجهٍ قصَّة، ولكلِّ قامةٍ رحلة، ولكلِّ عينٍ ذاكرة لا يقرأها المارَّةُ. وإذا كانت الكتب تعلمنا كيف نفهم البشر، فإنَّ الحياة تمنحنا كل يوم مكتبة مفتوحة تمشي على قدمين، تنتظر فقط من يقرأها بقلب أكثر رحمة، وبعينٍ أقل استعجالًا.
ففي النهاية، لسنا مجرَّد وجوه تتشابه في الزحام، بل حكايات تمشي بين النَّاس، بعضها كُتب بالحبر، وأكثرها كُتب بالصَّبر.
ترى.. كم حكاية مرَّت بنا اليوم، ولم نلتفت إليها، وكم إنسانًا حكمنا عليه من ملامحه، بينما كانت حياته تروى قصَّة مختلفة تمامًا؟!.