
عندما بدأت الدبلوماسية العامة تفرض حضورها على المستوى الدولي بوصفها مفهومًا وممارسة، كان من السهل النظر إليها باعتبارها إضافة إلى الدبلوماسية التقليدية عبر أدوات موجهة للشعوب، مثل الإعلام، الثقافة، التبادل التعليمي، والرياضة. لكن السؤال الذي يستحق التأمل اليوم هو: هل قدمت الدبلوماسية العامة أدوات جديدة للعمل الدبلوماسي فحسب، أم أنها بدأت تغيير مفهوم «الدبلوماسي» نفسه؟. فالدبلوماسي الذي كان يعمل في عالم تتركز فيه علاقاته مع الحكومات والمسؤولين، أصبح يعمل في فضاء أكثر انفتاحًا وتعقيدًا.. فضاء
لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مجرد تفاوض بين الحكومات، أو تبادل للرسائل والمواقف عبر القنوات الرسمية، فقد أصبحت الدول تخاطب شعوب العالم بصورة مباشرة، وتتنافس على كسب الفهم والثقة والتأييد، إلى جانب تنافسها على المصالح والنفوذ. وفي هذا المشهد المتسارع، تكتسب اللغة أهمية تتجاوز كونها وسيلة للتواصل، لأنها الأداة التي تُصاغ بها الرسائل، وتُعبّر من خلالها الدول عن سياساتها وثقافاتها وقيمها، وتبني بها صورتها لدى الآخرين. لكن ماذا يحدث عندما تَعبُر هذه الرسائل حدود اللغة والثقافة؟، هنا تبدأ الأهمية
ربما تكون عبارة «مركز فكر» من أكثر العبارات التي نستخدمها بسهولة، دون التوقف باهتمام عند معناها الحقيقي. فما أن نقول مركز فكر Think Tank حتى يتبادر إلى الذهن كيان يضم باحثين وينتج دراسات وتقارير وندوات وورش عمل.. وكل ذلك صحيح دون أدنى شك، لكنه لا يجيب على السؤال الأعمق، وهو: أين تحديداً يوجد «الفكر» في مركز الفكر؟ ولماذا لا نكتفي مثلا بتسمية «مركز بحوث ودراسات»؟. ربما لأن كلمة «فكر» يفترض أن تعني شيئًا يتجاوز إنتاج المعرفة، فالبحث يجمع المعلومات، ويفحص الأدلة، ويحلل الظواهر، ويختبر الفرضيات.
أمضيت أكثر من عشرين عامًا أمارس كتابة الرأي في صحفنا السعودية، مع فترات انقطاع متفاوتة لأسباب مختلفة. ولم يكن السبب دائمًا فقدان القناعة بجدوى الكتابة أو الشعور بضعف تأثيرها، بل كان هناك سبب آخر، أقل وضوحًا وربما أكثر إزعاجًا، وهو ما يمكن أن أصفه بـ»الانكشاف الخادع»، الذي كثيرًا ما تسببه الكتابة للكاتب، أكثر مما يقصده أو يريده. في البداية، كنت أظن أن المشكلة يمكن تفاديها ببساطة، لذلك حرصت في معظم كتاباتي، على الابتعاد عن القضايا العامة والمثيرة للحساسيات، والتركيز بدلًا من ذلك على مجالات مهنية
قبل سنة تقريباً، كتبت مقالًا بعنوان «ثمانية إجابات أساسية عن التحول الرقمي للصحف»، انطلاقًا من قناعة راسخة لدي بأن مستقبل الصحافة المطبوعة لن تحدده الرغبة في بقائها، وإنما تحدده تحولات الجمهور، واقتصاديات الصناعة، وقدرة المؤسسات على التكيُّف وقبول التغيير. واليوم، بعد قرار مؤسسة اليمامة إيقاف طباعة «الرياض» و»اليمامة» والاكتفاء بالنشر الرقمي، وتباين الآراء وردود الفعل حول القرار، أجدُ من المهم العودة إلى ذلك المقال، والإجابة عن أكثر الأسئلة تكرراً بعد صدور القرار، في محاولة لفهم ما حدث وما
عندما يُذكر مفهوم جودة الحياة، يتجه التفكير غالبًا إلى الخدمات والبنية التحتية، والحدائق والمرافق الرياضية والفعاليات الثقافية، وكلها بلا شك عناصر مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة، فهناك جانب آخر أقل ظهورًا، لكنه أكثر تأثيرًا في راحة الإنسان، وهو جودة الحياة الاجتماعية، أي مقدار ما تمنحه البيئة المحيطة للفرد من شعور بالبساطة والعفوية، بعيدًا عن التكلف واستنزاف الطاقة في إدارة الانطباعات، والانشغال بنظرات الآخرين وأحكامهم السطحية. لقد أدركت، بعد سنوات من السفر والاحتكاك بمجتمعاتٍ مختلفة، أن أكثر
أصبحت كلمة «رمز» من أكثر الكلمات تداولًا في الخطاب الثقافيِّ والإعلاميِّ، والرياضيِّ والاجتماعيِّ، حتَّى فقدت شيئًا فشيئًا جزءًا من دلالتها وهيبتها، فما إنْ يبرز اسمٌ في مجالٍ ما، حتَّى يُوصف بأنَّه «رمزٌ»، وكأنَّ اللَّقب أصبح يُمنح بسخاءٍ، بعد أنْ كان لا يُطلق إلَّا على قلَّة صنعت فارقًا حقيقيًّا في تاريخ تخصُّصها ومجالها. في الأصل، لم تكن كلمة «رمز» مجرد لقب للتكريم، أو المجاملة، بل كانت وصفًا استثنائيًّا لمن أحدث أثرًا يتجاوز ذاته، وأضاف إلى مجال عمله وتخصصه إضافة نوعية، وترك بصمة يصعب
على مدى عقود، ظلَّ هدف لفت انتباه العالم “Global Attention” أحد أهم أهداف الدبلوماسيَّة العامَّة، وربما كان ذلك الهدف -ولا زال- منطقيًّا بالنسبة للدول الصغيرة، التي تسعى إلى تعزيز حضورها الدولي.. لكن نجاح أيِّ دولة في تحقيق ذلك الحضور، يفرض عليها سؤالًا جديدًا مفاده، هل تستمر في قياس نجاحها بالمؤشرات نفسها، أم أنَّ لكل مرحلة معاييرها الخاصَّة؟. بالنسبة للمملكة العربيَّة السعوديَّة، أرى بأنَّها وصلت اليوم، إلى مرحلة متقدِّمة تستحقُّ معها إعادة طرح هذا السؤال... فالمملكة لم تعد دولة تبحث عن مكان
لم يكن الجدل الدائر حول بعض ممارسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد نقاش رياضي أو بروتوكولي، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً أعمق يتعلق بصورة الولايات المتحدة في أعين العالم، خاصة أنه تزامن مع مقالات وتحليلات في صحف ومجلات مرموقة، حمل بعضها عناوين لافتة، مثل، «نهاية القوة الناعمة الأمريكية» و»مفارقة كأس العالم»، في إشارة إلى أن ما يجري قد لا يكون مجرد جدل سياسي عابر، بل مؤشر على تآكل أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي. ومع اختلاف الآراء حول مدى مسؤولية إدارة بعينها عن
ليست كل المعارك تُخاض في ميادين القتال، فبعضها يبدأ على صفحات الكتب، وفي قاعات المحاضرات، وداخل مراكز البحث العلمي. فالأفكار التي تُنتج اليوم قد تصبح سياسات الغد، والدراسات التي يكتبها الباحثون قد تتحول إلى قرارات ترسم مستقبل الدول. ولهذا، لم تعد المعرفة الإستراتيجية نشاطًا أكاديميًا معزولًا، بل هي أحد أهم روافد القوة الوطنية، وعنصرًا أساسيًا في بناء الأمن وصناعة المستقبل. ومن هنا، فإن صدور العدد الأول من مجلة «فضاءات إستراتيجية»، عن جامعة الدفاع الوطني، ليس مجرد إضافة إلى قائمة المجلات
قبل أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في عام 2002، طرحت في كتابي «الإعلام القديم والإعلام الجديد.. هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟» سؤال كان يبدو آنذاك صادماً للكثيرين. يومها انصب معظم النقاش على الورق، بينما كنت -ولا أزال- أرى أن القضية أعمق من مجرد وسيلة للنشر. واليوم، وبعد أكثر من عقدين، قرأتُ مقالاً نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» يعيد طرح الفكرة نفسها، ولكن من زاوية تاريخية مختلفة تستحق منا كثيرا من التأمل. ينطلق المقال من تجربة الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ليؤكد أن
عندما يُذكر مصطلح الدبلوماسية العامة، تتجه الأذهان عادة إلى الجهود التي تبذلها الدول للتواصل مع الشعوب الأجنبية، والتأثير في تصوراتها واتجاهاتها بما يخدم أهداف السياسة الخارجية، ولهذا ركزت معظم الأدبيات والتعريفات التقليدية للدبلوماسية العامة على الجمهور الخارجي؛ باعتباره المستهدف الرئيس لرسائلها وأنشطتها. لكن التحولات الإعلامية والرقمية التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين؛ تدفعنا إلى ضرورة إعادة النظر في هذا التصور، فالدبلوماسية العامة لا تتعلق بالمتلقي الخارجي وحده، بل إن نجاحها أصبح
لا أتردد دومًا في وصف الدبلوماسية العامة بأنها أكثر التخصصات جاذبية وإثارة للاهتمام في حقل العلاقات الدولية، ليس لأنها أحدث تلك التخصصات أو أكثرها حضوراً في النقاشات المعاصرة، بل لأنها التخصص الوحيد الذي يتيح لممارسها العيش في الوقت نفسه في عدة عوالم متداخلة؛ مليئة بالتشويق والإمتاع. فعلى خلاف معظم التخصصات التي يمكن تحديد موضوعها وأدواتها بدقة وصرامة، فإن الدبلوماسية العامة تنتمي إلى فئة مختلفة من العلوم البينية، لا تقوم على مجال واحد بل على مجموعة من المجالات.. فالثقافة والإعلام والتعليم
قبل ثلاثة أعوام تقريباً كتبت مقالاً بعنوان: «هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟»، تمنيت فيه أن يتم التعامل مع التعاقدات الرياضية الضخمة بقدر أعلى من الواقعية، والتفريق بين الرغبة في الاستمتاع المحلي المشروع بوجود النجوم العالميين، وبين توظيف الرياضة كأداة للدبلوماسية العامة والقوة الناعمة وصناعة الصورة الذهنية. ففي ذلك الوقت بدا لكثيرين أن مجرد استقطاب كريستيانو رونالدو يمثل نجاحاً كاملاً غير قابل للنقاش، بينما رأيتُ حينها -ولا زلت- بأن الحكم المهني الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على الضجة الإعلامية،
قبل أكثر من ربع قرن، وتحديداً في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم تكن الإنترنت بالنسبة لغالبية المؤسسات الإعلامية العربية سوى مساحة غامضة، فيما كانت الصحافة الورقية لا تزال تعيش ذروة حضورها وتأثيرها، وتُوصف بـ»الملك المتوّج لوسائل الإعلام».. في تلك اللحظة المبكرة، كان قليلون فقط يدركون أن عالم الإعلام يقف على أعتاب تحوّل تاريخي؛ سيُغيّر شكل الصحافة ومفهومها وقواعد تأثيرها. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عثمان العمير الذي أطلق في مايو 2001 صحيفة إيلاف الإلكترونية، في خطوة لم تكن مجرد مشروع صحفي جديد، بل
كلَّما طُرح موضوع الازدحام في الرِّياض، انصرف النقاشُ مباشرةً إلى الطُّرق والجُسور والإشارات، وعدد المركبات، والتخطيط والهندسة المروريَّة.. ولهذا تتواصل الجهود المشكورة من الجهات ذات العلاقة في كافَّة هذه الاتِّجاهات، عبر مشروعات التَّوسعة الضَّخمة، وافتتاح المحاور الجديدة، وطرح الحلول التخطيطيَّة، وعقد الندوات المتخصِّصة، باعتبارها علاجًا مأمولًا لأزمة؛ أصبحت جزءًا من الحياة اليوميَّة في المدينة. ولا خلاف على أنَّ النموَّ السكانيَّ والعمرانيَّ المتسارع، واتِّساع المدينة، وارتفاع أعداد
إلى أيِّ مدى يتحمَّل الكاتبُ مسؤوليَّة فهم القارئ لما يكتبه؟ وهل صحيح أنَّ كلَّ أخطاء سوء الفهم يتحمَّلها المرسلُ لا المستقبِل؟ وما مدى صحة العبارة الشَّائعة التي تقول «أنا مسؤولٌ عمَّا أكتبُه، ولستُ مسؤولًا عمَّا تفهمهُ»؟. هذه التساؤلات خطرت في بالي، بعد قراءتي مؤخَّرًا عبارة لأدونيس، يشير فيها لما معناه أنَّ بعض النَّاس -حتى ممَّن يُحسبُون على المتعلِّمِين أو المثقفِينَ- لا يجيدُون القراءة. وأدونيس بالتأكيد لا يقصد هنا القدرة على فكِّ الحروف، بل يشير إلى خللٍ أعمقَ وهو قراءة النصوص باجتزاءٍ
لم يعد قياس مكانة الدول في النظام الدولي مقتصراً على مؤشرات القوة الصلبة، بل باتت القوة الناعمة - بأبعادها الثقافية، والسياسية، والعلمية، والرياضية، والاتصالية- أحد أهم محددات النفوذ والتأثير.. وفي هذا السياق يأتي تقدم المملكة العربية السعودية إلى المرتبة السابعة عشرة عالميًا في تقرير Brand Finance للقوة الناعمة لعام 2026؛ ليعكس تحوّلًا نوعيًا في تموضعها الدولي، ليس فقط كقوة إقليمية تقليدية، بل كفاعل عالمي يعيد تعريف صورته؛ ويؤثر في محيطه بآليات أكثر تنوعًا وفاعلية. هذا التقدم لم يكن عابرًا أو
كتبتُ كثيرًا بإعجاب، عن الكيفيَّة التي تعاملت بها وسائلُ الإعلام الأمريكيَّة التقليديَّة مع تسونامي التطوُّرات التكنولوجيَّة، التي صاحبت ظهور الإنترنت وانتشارها منذ منتصف التسعينيَّات، وكيف استطاعت الكثير من تلك الوسائل بذكاء ومهارة مهنيَّة من تحويل ذلك الخطر الوجوديِّ إلى فرص غير مسبوقة للربح والانتشار والتأثير. غير أنَّي أجد نفسي اليوم أمام تساؤلٍ جديدٍ أكثر إلحاحًا، يتعلَّق بمدى قدرة تلك الوسائل نفسها على مواجهة تسونامي مختلف في طبيعته وأدواته، أوجده الرئيس ترمب، ويسعى من خلاله إلى إعادة
هل للأخلاق مكانٌ في زمن الحرب؟ سؤالٌ يتجدَّد مع كل أزمة، ويعود اليوم بإلحاح شديد مع ما تشهده منطقتنا من صراع محتدم، تتداخل فيه السردِّيات، وتتسابق فيه الأطرافُ على كسب المعركة في الميدان كما في الوعي. في هذا السِّياق، يقدِّم كتاب (هل الأخلاق مهمَّة؟) «?Do Morals Matter» للمفكِّر الأمريكيِّ جوزيف ناي، إطارًا تحليليًّا بالغ الأهميَّة، لفهم العلاقة المعقَّدة بين الأخلاق والمصلحة في السياسة الخارجيَّة. ينطلق «ناي» من رفض الثنائيَّة المبسَّطة التي تختزل السياسة في خيارين: إمَّا أخلاق مثاليَّة، أو