
في قلب لندن مدينةٌ داخل المدينة.. فالـ«سيتي» City of London ليست مجرَّد الحيِّ الماليِّ الذي يعرفه العالم، بل منظومة قديمة من الحكم والتجارة والقانون، احتفظت بمؤسَّساتها عبر القرون. ومن أقدمها منصب الـSheriffs، شريفَي المدينة، اللَّذين يُنتخبَان كل عام، ويرتبطان بعمدة المدينة والقضاء في الـOld Bailey، وبصون حكم القانون. حضرتُ هذا الأسبوع حفلهمَا في «جيلدهول» Guildhall، المقر التاريخي للمدينة. كان في المشهد شيءٌ من إنجلترا القديمة: الأثواب، والمراسم، والألقاب، وقاعة شهدت قرونًا من القوَّة
دخلتُ نادي الأثينيوم في Pall Mall بلندن، بعد لقاءٍ طارئٍ مع رئيسٍ تنفيذيٍّ جاء من بوسطن؛ لنتحدَّث عن تحدِّيات اندماج مستشفيات بوسطن. وفي نادي العلماء والأدباء والفلاسفة والقضاة، وجدتني أحصي ما تغيَّر في اثني عشر شهرًا. ظننتُ أنَّني سأكتبُ عن عام الذكاء الاصطناعيِّ، عام دخلت فيه الآلة مجالسنا وبيوتنا، وتغيَّرت فيه علاقتنا بالمعرفة والعمل والدولة. ثمَّ خطر لي أنَّ هذا لم يكن أوَّل عام للذكاء الاصطناعي، بقدر ما كان أوَّل عام أدركتُ فيه أنَّنا نعيشُ حقًا ما بعد كوفيد. للتاريخ البشريِّ طرائق غريبة
مررتُ في طريقي إلى المطار، وأنا أودِّع بوسطن هذا الصَّيف، بكليَّة كينيدي للدِّراسات الحكوميَّة، فتذكَّرتُ صورةً التقطها سيسيل ستوتون في صيف سنة 1963: الرئيس الأمريكي جون كينيدي على اليخت الرئاسيِّ Honey Fitz قبالة ماساتشوستس، يتلذَّذ بآيس كريم في يده، كأنَّ التاريخ منحه دقائق قليلة خارجه. قبَّلته الشَّمس على خدَّيه، والبحر خلفه، والرئيس الشاب مستغرقٌ في لحظة عاديَّة، لكنَّها مدهشة، فيما كانت بلاده والعالم يعبران إلى زمنٍ آخرَ. قبلها بعامين أعلن كينيدي أنَّ «الشُّعلة انتقلت إلى جيل جديد»، وسأل
على ساحل نا بالي Nā Pali في كاواي، تبدو الجبال المتلثمة بالغيوم، وكأنَّ المحيط الهادئ شقَّها؛ ليكشف تاريخها: طبقات من الحمم صعدت من قاع البحر، ثمَّ نحتتها المياهُ حتى اخضرَّ البركان، وكاد يخفي أصله. وجزر هاواي، مهما تباعدت فوق الماء، تنتمي في العمق إلى حركةٍ واحدةٍ في جوف الأرض. خطر لي أنَّنا، في المحيط العربيِّ والإسلاميِّ، أفرطنا في النظر إلى الجزر حتَّى نسينا ما تحتها. ثمَّ جاءت الأخبار من مكَّة.. وقَّعت المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ، وتركيا، وباكستان «اتَّفاق مكَّة للدفاع المشترك»، ومبدؤه
أثناء رحلةٍ علاجية إلى بازل، قصدتُ القاعة التي انعقد فيها المؤتمر الصهيوني الأول سنة ١٨٩٧. هناك سأل تيودور هرتزل: هل يستطيع شعبٌ بلا دولة أن يصبح دولة؟ وقد أجاب التاريخ عن السؤال الأول. وقفتُ قليلًا ثم غادرت. بقي المبنى خلفي، أما السؤال الثاني فقد خرج معي من القاعة، ومشى معي في شوارع بازل، ولم يغادرني منذ ذلك اليوم. كنتُ أفكر في ما قاله الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في حديثٍ إلى قناة «العربية»، إن الحوار بين القدس ومكة ينبغي أن يكون جوهر ما هو آتٍ، مقدِّمًا «اتفاقات إبراهام» نموذجًا له. وأحسب
وصلتُ إلى واشنطن في هدأةٍ فرضها كأسُ العالم، وكأنَّ العالم كان يحتاجُ إلى استراحةٍ قصيرةٍ من اضطرابهِ. كانت البطولةُ السَّابقةُ في قطر، وهذه تُقَام أغلبها في الولايات المتَّحدة، فيما تحتفل الجمهوريَّةُ الأمريكيَّةُ بمرور مئتَين وخمسِين عامًا على إعلان استقلالِهَا. لكنَّ السياسة لا تعرفُ صافرةَ نهايةٍ. وفي الوقت الذي كنتُ أصلُ فيه إلى واشنطن، كان مارك كارني، يغادر قمَّة حلف الناتو، متوجِّهًا إلى جدَّة، في أوَّل زيارة لرئيس وزراء كنديٍّ إلى المملكة، منذ ستة وعشرين عامًا. جاء يبحثُ في التجارة
هناك فقهاء يؤسِّسون القانون، وهناك آباءٌ للفقهِ. آباءٌ لا يكتفُون بحراسة النصِّ، بل يكفلُون المدرسة، ومسائلها، ومؤسَّساتها، ومدرِّسيها وطلابها. الفقيهُ يحفظُ القاعدة حين تستقر، أمَّا الأبُ فيرعى المسألة وهي لا تزال مجهولةَ الاسمِ، بلا بيتٍ مؤسسيٍّ، ولا تقليدٍ يحميهَا. في القانون، كما في الحياة والقبيلة، ينتسبُ المرءُ -أحيانًا- إلى مدرسة، قبل أنْ ينتسب إلى مؤسَّسة؛ إلى طريقةٍ في رُؤية المشكلة، قبل أنْ ينتمي إلى مبنى يحمل اسم جامعة، أو مركز. في أيامٍ متقاربةٍ، فقدتُ -كما فقدَ القانونُ- رجلَين من
سافرتُ من الدرعيَّة إلى المدينة العالميَّة الجديدة على البحر الأحمر Red Sea Global، فوقفتُ على شاطئ للجزيرة العربيَّة لا يشبه الخليج في قلقه، ولا هرمز في توتره، فبدا الماءُ كأنَّه يقترحُ هويَّةً أوسعَ: مائيَّة، تجاريَّة، إنسانيَّة، لا تقوم على الرُّعب من الآخر، بل على العبور المتبادل. وفي الأيَّام نفسها وصلتني أصداء طيِّبة من مؤتمر الناتو في ريغا عن مقترحنا KE2045، كما سجَّلته مجلَّة الناتو للاتِّصالات الإستراتيجيَّة، من إسبانيا، ولاتفيا، وبريطانيا، وفنلندا، فشعرتُ أنَّ الغرب، رغم تعبه، لا
أبدأُ بتحيةٍ صادقةٍ مستحقَّةٍ لرجال الأمن، وكلِّ العاملِين في خدمة ضيوف الرَّحمن؛ فقد كان نجاح موسم الحجِّ هذا العام صورةً حيَّةً لمعنى الدولة القادرة على خدمة شعبها وشعوب العالم.. شكرًا لخدمتكم. ***** وقف ابني فهر بن مالك الأسبوع الماضي، على مسرح الخطابة في مدرسة هارو البريطانيَّة العريقة، فألقى مقطعًا من خطاب جواهر لال نهرو «موعد مع القدر»؛ الكلمات التي قالها ليلة استقلال الهند في 14 أغسطس 1947. لم يستغرب أحدٌ في القاعة. وفي عدم الاستغراب تكمن الحكاية: فما تعطيه بريطانيا للعالم، حين يبقى
في الطريق إلى بحيرة بيوا، وفي لقاءٍ جمعنِي بجنرال يابانيٍّ سابقٍ حول القوى المتوسِّطة والقمَّة بين القطبَين الأمريكيِّ والصينيِّ، قال لي: «الأممُ لا تعيشُ بالقوَّةِ وحدهَا، بلْ بطولِ النَّفسِ». كان يصفُ سياسة الجَلَد الإستراتيجيِّ، أو سينرياكوتيكي نينتاي، لليابان حين تُختبر أعصابها وسلاسل إمدادها. قلتُ له: إنَّنا نحتاجُ إلى ما هو أبعد من الاحتمال، نحتاج إلى مرونةٍ إستراتيجيَّة تُخرج القوى المتوسِّطة من الضَّغط بتنظيم لغة التَّعاون البينيِّ، لتصبح قادرةً على الفعل، لا الانتظار. سألني: وماذا عن
في مساء جمعةٍ من أبريل 2026، اجتمعنا في غرفة كافنديش بكليَّتي، “بيترهاوس”، أقدم كليَّات كامبردج، في ضوء الشُّموع، كما جرت العادة منذ قرون. على بُعد خطواتٍ من نهر الكام، في كليَّة كينغز، كان جون ماينارد كينز قد فرغ قبل قرن من «النظرية العامة». وفي الحرب، حين أُجليت كلية لندن للاقتصاد LSE إلى كامبردج واستضافتها بيترهاوس، وفد فريدريش فون هايك إلى ذلك الفضاء الفكريِّ المضغوط بين الحرب والجامعة والاقتصاد. كان الرجلان يتراسلان ويتجادلان بأدبٍ جم، ويختلفان في كلِّ شيءٍ. ولم يكن أحدهما يعلم، وهو يكتب،
كنتُ في فلورنسا، حين بدأت الرُّؤية تنجلي. لا بمعنى الاكتشاف، بل بمعنى التأكُّد. فهذه المدينة الحسناء، التي قامت أصلًا مستعمرةً رومانيَّةً، ثمَّ صارت عنوانَ النَّهضة، لا تُقنعك بأنَّ الحضارة تُبنَى على محوِ ما سبقها، بل على إعادة ترتيب النَّظر إليه. الماضي فيها ليس ركامًا، بل طبقاتٌ من المعنَى والجَمَال يبني عليها اللَّاحق، ولا يعود إليها كما كانت. ثمَّ وصلتُ إلى روما. وهربًا من المعكرونة، ووفرة النشويَّات، دخلتُ مطعمًا فارسيًّا بسيطًا في قلب المدينة الأبديَّة، وطلبتُ حساء «آش رشته». سألونِي:
لم أزر الولايات المتحدة منذ ستة أشهر. ليست مدةً طويلةً في عمر الدُّول، لكنَّها تكفي أحيانًا لالتقاط تبدُّلٍ في الهواء العام. ما شعرتُ به هذه المرَّة لم يكن الصَّخبَ السياسيَّ المألوف، بل شيئًا أدقَّ: بلدٌ يزدادُ ارتفاعًا في استعراضه، ويزدادُ انقطاعًا عن نفسه. في نيويورك، وبعد اجتماعات مجلس إدارة وزياراتٍ أُخْرى، ما زالت المدينةُ قادرةً على إنتاج الضُّوء واللُّغة والجَدَل، لكن تحت هذا البريق بدا شيءٌ من التخفُّف من المعنى، كأنَّها لم تعد تعيشُ دورها بقدر ما تُحسِن أداءَهُ. وقد رتَّبت لنا زميلةٌ
لم يعد العالم يعيشُ أزمةً واحدةً يمكن تطويقها، بل أزماتٍ تتدافعُ وتتراكمُ: من نيران التوتُّر في المضيق، إلى مأساة غزَّة، ومن استنزاف أوكرانيا إلى اقتصادٍ عالميٍّ يرتجفُ كلَّما اختلَّ ميزانُ الرَّدع. وفي مثل هذه اللَّحظات، حين يسود المنطقُ الصفقاتيُّ، وتتحوَّل السياسةُ الدوليَّةُ إلى هيمنةٍ نفعيَّةٍ (Predatory Hegemony)، يعلو الانفعالُ، ويخفت الرُّشد، وتصبح الشِّعاراتُ أعلى ضجيجًا من الحكمة. وهنا يعود إلى الواجهة معنى تأسيسي في التجربة السياسيَّة السعوديَّة: إدارة المراحل. إدارة المراحل ليست
قبل أيام، استشارنِي مسؤولٌ دوليٌّ بارزٌ بشأن منظومةِ الوساطة، وأين يمكنُ أنْ يُعقد مؤتمر سلام للشرق الأوسط، على نحو «وستفاليا جديدة»، تعيد تأسيس السِّيادة والأمن، في هذا المناخ الدوليِّ المُتدَاعي. وكان الحديثُ يدورُ حول خطرِ اتِّساع الحرب، وأثر أسواق الطَّاقة في حسابات الصِّين، ومسارات التَّفاوض، وإمكانات خفض التَّصعيد. وفي أثناء هذا النقاش، بدت لي الأمم المتحدة كما لو أنَّها لا تزالُ تحبُّ أنْ تتخيَّل نفسهَا، بلغةِ ليو تولستوي، روايةً من طراز «الحرب والسَّلام»: مسرحًا كبيرًا للتَّاريخ
يتزامنُ يوم التَّأسيس هذا العام مع رمضان، فيلتقي زمنُ الدَّولة بزمنِ الميزان. وهنا تستعيدُ المناسبة قيمتها الحقيقيَّة، لا كاحتفالٍ فقط، بل كتذكيرٍ بسؤالٍ أعمقَ: ما الفكرة التي قامت عليها الدَّولة؟ وما الرسالة التي يمكن أنْ تحملها اليوم؟ السَّرديَّة الرسميَّة واضحة. 1727 هو بدء التَّأسيس، و1932 هو اكتمالُ التَّوحيد الحديث. وهذا ليس فرقًا بين تاريخَين فحسب، بل هو الفرق بين بناء العَصَب، وبناء الجَسَد، بين ولادة الفكرة الجامعة، واكتمال صورتها المؤسَّسيَّة. ولهذا يُقدَّم يوم التَّأسيس؛ بوصفه عُمقًا
هناك تهاني رمضانَ، تُقَال كالعُرفِ: كلماتٌ تمضِي وتُؤدَّى. وهناك تهنئةٌ تأتيك كوقفةٍ تُراجع فيها العالمَ قبل أنْ تُراجع ذاتكَ. هذا العام، وأنا أفتِّشُ عن نبرةٍ لا تُجامِلُ زمنًا مُتعبًا، وجدتُ السَّماءَ نفسها تُقدِّم لغةً جاهزةً للتَّأمُّلِ: خاتمٌ من نارٍ في كسوفٍ حلقيٍّ، وتقويمٌ آخرُ في الشَّرق الصينيِّ يفتحُ بابًا على عام «الحصان النَّاري»، عام التَّغيير السَّريع، وفي الغرب «أربعاء الرَّماد» يعلن بدءَ الصومِ الكبيرِ. تلاقت المقاماتُ في هذه الأيَّام: نارٌ في السَّماء، ورمادٌ على الجبهةِ، وصومٌ
نكَّست كندا أعلامَهَا لقائدةٍ لم تتعلَّم الصَّحافة العالميَّة كيف تُعرِّفها على وجه الدقَّة، لكنَّ البلاد شعرت بغيابها فورًا. لم يكن رحيلُ كيرستي دنكن (Kirsty Duncan) في السادس والعشرين من يناير 2026، بعدَ صراعٍ طويلٍ مع السَّرطان، حدثًا سياسيًّا دراميًّا، بل جاء بوصفهِ نقطة انعطافٍ هادئةٍ بعد ستة أيامٍ فقط من إعلان رئيس الوزراء الكنديِّ، من دافوس، أنَّ العالم دخل مرحلة «تمزُّق، لا انتقال». البروفيسورة دنكن -نائبةُ زعيمةِ الحكومةِ في مجلس العموم سابقًا، والوزيرة العالِمة، وعضو الهيئةِ
لم يعد الخطرُ الأكبرُ على النِّظام الدوليِّ هو غياب القواعد، بل الإفراط في خرقِهَا. حين يصبحُ استخدامُ القوَّة قاعدةً لا استثناء، وحين تُطبَّق المعاييرُ انتقائيًّا، لا ينهارُ القانونُ الدوليُّ دفعةً واحدةً، بل تتآكل ببطء سيادةُ القانونِ العالميِّ ذاتها، إلى أنْ يفقد الجميعُ الثقة في قدرته على الحماية. في القانون، نعرفُ هذه اللَّحظة جيدًا. نسمِّيها فقدان التَّناسب، وإساءة استعمال السُّلطة، وسقوط الشرعيَّة. وهي ليست مفاهيم نظريَّة، بل مؤشِّرات دقيقة على أنَّ النِّظام لم يعد يؤدِّي وظيفته
لم أكتب بالعربيَّة منذ سنوات. لم يكن ذلك هجرًا للُّغة، بل انشغالًا بلغةٍ أُخْرى: لغة المؤسَّسات، والمفاوضات، والوساطة الدوليَّة -حيث تُوزن الجُمَل بما تُنتج، لا بما تُطرِّز. لكن حين عدتُ إلى المملكة، اكتشفتُ أنَّ العودة ليست إلى المكان وحده، بل إلى الصَّوت- وكأنَّ العربيَّة، في أزمنة التحوُّل، ليست زينة مقال؛ بل أداة تأسيس. قبل أسبوعين، كنتُ في الدرعيَّة -وبالذَّات في الطريف- لا يلاحقك الماضي بوصفه حنينًا، بل يواجهك بوصفه منهجًا: كيف يُدَار الاختلاف في الجزيرة العربيَّة حتَّى يصير قاعدةً، وكيف