كتاب

قمة جدة.. الرياض ومسقط في مواجهة عواصف المنطقة

ليست كل القمم بحاجة إلى جدول أعمال طويل، أو بيانات ختاميَّة مفصَّلة حتَّى تُقرأ أهميتها. ففي أوقات الأزمات، قد يكون توقيت اللقاء، وهويَّة المشاركين فيه، وما يحيط به من أحداث، أكثر دلالةً من البيان الرسميِّ نفسه.
من هنا يمكن قراءة اللقاء الذي جمع، أمس، في جدَّة، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وأخاه جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان. فقد جاء في توقيت بالغ الحساسيَّة، فيما تمرُّ المنطقة بمرحلة من التوتر العسكريِّ والسياسيِّ تهدد أمن الخليج والممرَّات البحريَّة وإمدادات الطاقة والاقتصاد الإقليميِّ والدوليِّ.

واللافت أنَّ الزيارة وُصفت عُمانيًّا بأنَّها «زيارة أخويَّة خاصَّة»، وأنَّ السلطان هيثم اصطحب معه وفدًا رفيع المستوى، يضم مسؤولين عن الدفاع والخارجيَّة والداخليَّة والاستثمار والنقل والطاقة، فيما شارك من الجانب السعوديِّ وزراء الطاقة والخارجيَّة والتجارة والسِّياحة والنقل والاستثمار، إلى جانب رئيس الاستخبارات العامَّة. وهذا التمثيل الواسع يعكس -في تقديري- تعدُّد الملفَّات المطروحة، من السياسة، والأمن إلى الطاقة والاستثمار والتجارة والنقل (uqn.gov.sa).
الأولويَّة، بطبيعة الحال، هي أمن المنطقة. فالبيان السعوديُّ أشار إلى بحث تطوُّرات الأوضاع والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار، فيما تحدَّث البيانُ العُمانيُّ عن مستجدَّات القضايا الراهنة و«الحلول الكفيلة بتحقيق التهدئة والسلم؛ لضمان سلامة الدول والشعوب والحفاظ على اقتصاداتها ومصالحها».

وهنا تلتقي الرياض ومسقط في مساحة سياسيَّة مهمَّة. فالسعوديَّة صاحبة ثقل سياسيٍّ واقتصاديٍّ وعربيٍّ وإسلاميٍّ كبيرٍ، وتقود جهودًا متعدِّدة لمنع توسع دائرة الصراعات، فيما تمتلك عُمان خبرةً طويلةً في الوساطة وفتح قنوات الاتصال مع الأطراف المتخاصمة. والجمع بين ثقل الرياض، وخبرة مسقط الدبلوماسيَّة يمكن أنْ يوفر للمنطقة مساحة أوسع للتحرُّك باتجاه التهدئة، خصوصًا عندما تضيق قنوات الحوار وتتَّسع ساحات المواجهة.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مبادرة محدَّدة لم يُعلن عنها، ولكن من المنطقي قراءة القمَّة في سياق تنسيق سعوديٍّ عُمانيٍّ أوسع يستهدف منع انتقال المنطقة من إدارة الأزمات إلى الانفجار الشامل.
البُعد الثاني خليجيٌّ. فالسعوديَّة وعُمان تشغلان موقعين إستراتيجيَّين متكاملين؛ المملكة بثقلها الجغرافي والسياسيِّ والاقتصاديِّ وإطلالتها على الخليج العربيِّ والبحر الأحمر، وعُمان بموقعها المطل على بحر العرب، ومضيق هرمز.
وفي زمن أصبحت فيه الممرَّات البحريَّة، ومنشآت الطاقة وسلاسل الإمداد جزءًا من معادلة الأمن القومي، فإنَّ التنسيق بين البلدين يتجاوز العلاقة الثنائيَّة إلى أمن مجلس التعاون والمنطقة والعالم.
والأهم أنَّ البلدين يتفقان، رغم اختلاف أدواتهما وأساليبهما الدبلوماسيَّة، على مصلحة أساسيَّة: الخليج الآمن والمستقر، البعيد عن الحروب والاستقطابات، والقادر على حماية قراره السياسي ومكتسباته التنمويَّة.
لكن اختزال القمة في السياسة والأمن سيكون قراءة ناقصة. فالعلاقة السعوديَّة العُمانيَّة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من حُسن الجوار والتنسيق السياسيِّ إلى بناء شراكة اقتصاديَّة مؤسسيَّة.
وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2025 نحو 2.4 مليار ريالٍ عُمانيٍّ، فيما تتوسَّع الاستثمارات والتجارة البينيَّة، بالتوازي مع عمل مجلس التنسيق السعوديَّ العُمانيِّ على تحويل العلاقات السياسيَّة المتميِّزة إلى مشروعات ومصالح اقتصاديَّة مشتركة. (alroya.om)
ويتزامن لقاء القيادتين مع تحرُّكات عمليَّة في هذا الاتجاه؛ إذ تستضيف صلالة الاجتماع السابع للجنة التنسيق في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة، ويتضمَّن العمل المشترك برنامجًا تنفيذيًّا للتعاون الاقتصاديِّ والتخطيطيِّ للأعوام 2026-2028، إلى جانب فرص في الصناعات ذات القيمة المضافة، والتقنيات الحديثة، وأشباه الموصلات، وإعادة التصدير. (omandaily.om)
وهناك تكامل طبيعيٌّ بين رُؤية السعوديَّة 2030، ورُؤية عُمان 2040؛ فكلا البلدين يسعى إلى تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمار، وتطوير الخدمات اللوجستيَّة والسِّياحة والصِّناعة والتَّقنية والطَّاقة الجديدة.
ويمنح الطريق البري المباشر بين البلدين هذا التكامل بُعدًا جغرافيًّا مهمًّا، إذ لم تعد الحدودُ حاجزًا في الحركة التجاريَّة، بل تحوَّلت إلى جسر يمكن أنْ يربط الموانئ والمناطق الصناعيَّة والأسواق وشبكات النقل في البلدين.
ومن أهم مزايا العلاقة السعوديَّة العُمانيَّة أنَّها قابلة للبناء على مفهوم التكامل أكثر من التنافس. فعُمان تملك موانئ إستراتيجيَّة مفتوحة على المحيط الهندي وبحر العرب، والسعودية تمتلك أكبر اقتصاد عربيٍّ، وسوقًا ضخمةً، ومشروعاتٍ لوجستيَّةً وصناعيَّةً هائلة، إضافة إلى موقعها على البحر الأحمر والخليج العربيِّ.
والربط بين هذه الإمكانات يخلق شبكة اقتصاديَّة ولوجستيَّة أكثر قدرةً على التعامل مع الأزمات، وإغلاق الممرَّات، أو اضطراب سلاسل الإمداد. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسيَّة، أصبحت تعدديَّة الطرق، والموانئ، ومصادر الطاقة جزءًا من الأمن الوطنيِّ، وليست مجرَّد مسألة تجاريَّة.
لعل الرسالة الأهم في لقاء جدَّة، أنَّ الرِّياض ومسقط لا تريدان أنْ تستهلك صراعاتُ المنطقة مستقبل المنطقة.
هناك مشروعان وطنيَّان كبيران، رُؤية السعوديَّة 2030، ورُؤية عُمان 2040، وكلاهما يحتاج إلى بيئة إقليميَّة مستقرَّة، وأسواق مفتوحة، وممرَّات آمنة، واستثمارات طويلة الأجل. ومن هنا يصبح السَّعي إلى السَّلام والتهدئة جزءًا من سياسة التنمية، كما تصبح التنمية نفسها إحدى أدوات تثبيت السَّلام.
وهذا يفسر الجمع في لقاء واحد بين ملفَّات الأمن والسياسة والطاقة والتجارة والاستثمار والنقل. فالحدود بين هذه الملفَّات تكاد تختفي في عالم اليوم؛ صاروخ واحد يُصيب منشأةً للطَّاقة يمكن أنْ يؤثِّر في الأسواق العالميَّة، وإغلاق ممرٍّ بحريٍّ يمكن أنْ يرفع تكلفة التجارة، وحرب إقليميَّة واسعة تستطيع أنْ تعطِّل خطط التنمية لسنوات.
لذلك تبدو قمَّة جدَّة أبعد من لقاء ثنائيٍّ عابر. إنَّها تعبير عن تقارب إستراتيجيٍّ مُتنامٍ بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصلحة، وتدفعهما تحدِّيات الحاضر إلى مزيدٍ من التنسيق.
والرسالة التي يمكن استخلاصها من جدَّة واضحة: في منطقة مثقلة بالأزمات، تحتاج دول الخليج إلى بناء قوَّتها وتكاملها من جهةٍ، وإبقاء أبواب الحوار والتهدئة مفتوحةً من جهةٍ أُخرى. والسعوديَّة وعُمان مؤهَّلتان للقيام بالدَّورَين معًا.

أخبار ذات صلة

نغصوا عليه الإجازة!!
شجاعة الاعتذار
ملهّي بن سلامة.. تصحيح المفاهيم
أين يكمن «الفكر» في مراكز الفكر؟
;
حين يصبح القبول الجامعي قراراً يصنع المستقبل
راتبان لكل موظف!
رسول الحضارة.. وهادي البشرية
اللواء السريحي.. والعميد الثبيتي
;
جائزة الملك فيصل.. حين تصعد المعرفة إلى مقامها
وأحسنْ وإنْ لم تلقَ إحسانًا
كَلبشــــــة
لماذا يكرهون الأرجنتين؟!
;
توحيد التحصيل
المدير الرمادي
«إحسان».. ترسم مستقبل العمل الخيري
كوبونات شرائية (للمتفوقين)!