إعادة عقارب الساعة

إعادة عقارب الساعة
المجتمع السعودي يُبجِّل المرأة، ويكن لها الاحترام، ويضعها في مقام عالٍ، ولكن ثقافيًا يُقيّدها بسلاسل ثقيلة تشل حركتها، على افتراض أن في ذلك مصلحتها، ولكن للمفارقة، تكريم العالم للمرأة السعودية يعكس أبعادًا تضمر مساندة دورها التنموي والاقتصادي والتعليمي، وأيًا تكن المقاصد فإنها جعلت من المرأة السعودية مصدر فخر وشرف لشعب المملكة والشعوب العربية، ومن دلالاته رمزية منح الرئيس أوباما الدكتورة مها المنيف جائزة أشجع امرأة. هذه الجائزة قدمت جرعات من الفرح والتفاؤل في منطقة عربية جف فيها الأمل، ولهذا سلطت أضواء كثيفة على جهود الدكتورة مها الإنسانية والأكاديمية، وعلى المرأة السعودية عمومًا، فقد أبرزت وسائل الاتصال الاجتماعي والوسائط الإعلامية ما قطعته المرأة السعودية من أشواط في التعليم والتنمية. لاشك أن حكومة خادم الحرمين أولت المرأة عناية تجسّدت بمنحها حقوقًا نظامية وتشريعية، كعضوية مجلس الشورى، وحق الخروج للعمل، وكافة الحقوق التي كفلها الإسلام. التقدم التقني جعل العالم قرية كونية، وصار كل إنجاز تتناقله وسائل إعلام تلك القرية، والمرأة السعودية حصدت ما أنجزت في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتسليط الأضواء على مهنيتها وعطائها أثبت مثابرتها التي تجاوزت التوقعات، فضلا عن إبداعها في مجالات ليس أقلها ريادة الأعمال، أو كباحثة جامعية تضيف قيمة للعلم ولمجتمعها المحلي والإنساني الذي لا ينسى أيضًا دور حياة سندي في إنجازات جينوم السكري، وكذلك دور مبدعات أخريات. وإذا ما نظرنا إلى تجربة المرأة الأوروبية وكيف رفضت حبسها وانتزعت حقوقها بالمشاركة في الاقتصاد والمسيرة التطويرية إلا أنها تخلت عن جزء مهم من قيمها كعقاب لمجتمعها، لأن ردود فعلها الانتقام من المجتمع الذي جعلها أقرب للخادمة منها للمرأة الحرة، وهو ما لا ينطبق على المرأة المسلمة ولا تحتاجه، لأنها ببزوغ فجر الإسلام كُرِّمت وثبتت شراكتها للرجل، حيث إن الإسلام منع التمايز بينها وبين الرجل إلا في الوظائف البايلوجية، ولهذا كانت المسلمة منتجة وتاجرة ومالكة لأصولها ومزارعها ووارثة ومورثة، والسيدة خديجة مثال لأثرياء زمانها، وكانت السيدة عائشة مثالًا للمعلمة، وكانت أم سلمى وفاطمة والشفا، وكل نساء الصدر الأول الإسلامي اللائي كن طبيبات وممرضات يخرجن للحرب يداوين الجرحى ويسهمن في تنمية مجتمعهن المسلم. إن التراجع في حقوق المرأة موروث من الفترة العثمانية التي امتدت لخمسمائة سنة، سادها انحطاط فكري مُرعب، وتراجع عام لم تستطع معه السلطنة العثمانية السمو بالفكر الإسلامي، وليس مفاجئًا إن كرّست لرؤية خارجة من ثقافة القرون المظلمة، وصارت المرأة متاع كما صوّرها فيلم (حريم السلطان). إن احتفاء العالم والمملكة وقطاع الأعمال بالمرأة السعودية احتفاءً مُستحق، ويُعبِّر عن الاعتراف بدورها التنموي والاقتصادي، ويأتي احتفاء القطاع الخاص من تجربة عملية أكدت فيها المرأة تفوقها على زميلها الرجل، إنتاجيةً وإتقانًا للمهنة، واكتسابًا للمهارات وإكسابها لزميلاتها. أما المنطلقات التي تشذ وتُقلل من عطاء المرأة السعودية وازدراء القيمة المضافة التي تُقدِّمها، فإنها تُجسِّد مظهرًا من سوء فهم، أرجو أن يتكفل به الزمن، والوعي بدور المرأة الاقتصادي وهو حاسم في تصويب النظرة الاجتماعية، وضرورة فهم أن اقتصادنا ريعي ناضب المورد، واستبعاد دور المرأة يعني وضع العصي أمام عجلة اقتصاد المعرفة، الذي تسعى المملكة بكل همّة لحيازة وسائله، ومنها التشبث بإشراك المرأة بالعملية التنموية. لأن إشراك كل فرد يعني زيادة الإنتاجية، والحد من وجود أفراد يستهلكون أكثر مما ينتجون، لأن هذا النموذج الاقتصادي مصيره العجز والقعود. إن فئة الذين يناوئون دور المرأة يمنعونها حقوقها الشرعية من حيث لا يدرون، فالأولى بهم توجيه الطاقات للإنتاج، ولإصلاح ممارسات اقتصادية تضر بالاقتصاد وبالإنسان بأكبر مما يتخيلونه، فبعض الممارسات القائمة على أسس ربوية تقود لمصير كالذي آل إليه الاقتصاد الربوي بالغرب، من حيث تبخير ادخارات الفقراء لفقاعات، أو انهيار أسواق المال، مما أدخل الاقتصاد العالمي إلى غرف الإنعاش، وسحق مجتمعات وتشريد الناس، فمعالجة هذا الجانب أولى من محاولات إعادة عقارب الساعة للوراء.

أخبار ذات صلة

تحت مظلَّة السعودة
قراقوش.. بين السخرية والتاريخ
إلتون مايو.. والدكتور محمد باجبير
{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}
;
لماذا يجب علينا دعم المؤسسات غير الربحية؟
المملكة.. حضور دولي يرسخ مكانتها العالمية
الدبلوماسية العامة.. أصعب التخصصات وأكثرها إمتاعاً وجاذبية
مؤسسة خالد الفيصل الثقافية.. الحاضنة لإرث الأمة
;
حين صار الحلمُ كرةً.. وصارت الأرضُ مدرّجًا
توحيد الإمامة: صفحات مشرقة في مشروع التأسيس
أقوال تحتاج إلى تحديث
رجال حول الأمير
;
تعديل الأنظمة.. وترك المساحة
الهويريني.. ومنهجية الأمن الفكري
وبعديـــــن
مراجعة آثار الحرب علينا