الإصلاح شرط المصالحة

الإصلاح شرط المصالحة
لايمكن للواقع العربي أن يتقدم خطوة إيجابيةٍ إلى الأمام دون حدٍ أدنى من المصالحة، لكن سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري تؤكدُ أنه: لا مصالحة دون إصلاح. والأسئلة تطرح نفسها: لماذا يصرُّ العرب على الحياة في ظلِّ متناقضاتٍ إضافية مُختلَقة يُحاصرون أنفسهم وشعوبهم، وحاضرهم ومستقبلهم، فيها؟ خنقَ العرب أنفسهم وهم يؤكدون على التضارب بين مفاهيم (المقاومة) و(الكرامة) و(الاستقلال) و(الاعتدال) و(الواقعية) و(طبيعة النظام الدولي) و(المصلحة). ولكن. من قال بأن المقاومة لاتتعايش مع الواقعية؟ أو أن هناك تناقضاً مُستعصياً بين الكرامة والمصلحة؟ أو أن صيانة الاستقلال مستحيلة في ظل النظام الدولي؟ أي فكرٍ سياسيٍ هذا الذي يفهم العالم ويتعامل معه بتلك الطريقة؟ متى ندرك أن مصيبتنا الرئيسة والأولى تكمنُ في عملية الفصل التي مارسناها في التعامل مع تلك المفاهيم المترابطة؟ كيف يمكن للعالم بأسره في الغرب والشرق أن يرى استحالة التخطيط السياسي وإمكانيةَ صناعة القرار في معزلٍ عن استخدام تلك العناصر مجتمعةً، في حين نرى وحدَنا، أنها مُتضاربة إلى درجة أن تُصبح في واقعنا سببَ الخلاف والشقاق؟! لايمكن أن يحصل هذا إلا في غياب (المشروع العربي). سنكون واقعيين هنا ولن نقفز إلى المطالبة بمشروع عربي. لكن باب المصالحة العربية المفتوح باستحياء هذه الأيام يمكن أن يكون خطوةً صغيرةً أولى على طريق ظهور ذلك المشروع إلى النور. غير أنها خطوةٌ لن تقود إلى شيء إلا بالعودة إلى حديث الإصلاح، قبل أي شيءٍ آخر. وهنا أيضاً يجب على العرب تفكيك تناقضات تُشوّشُ تفكيرهم. ويجعلونها تحديداً محور ثقافتهم السياسية ومحور صناعة القرار لديهم. فالإصلاح لايجب أن يعني بالضرورة ثورةً تعصف بالاستقرار، والإصلاح لايعني بالضرورة تغييراً يقف في وجه الاستمرارية، والإصلاح لايعني بالضرورة زعزعةً للمشروعية السياسية. الإصلاح في نهاية المطاف يعني مصالحةً (حقيقية) مع شعوبٍ عربية باتت تتطلع إلى حياةٍ كريمةٍ تؤمن لها رزقها الحلال وماتستحقه من صحةٍ وتعليمٍ وفرصة للعمل المشرّف والمشاركة في صناعة حاضرها ومستقبلها، وفي صيانة استقرارها واستقلالها وأمنها. لكنّ الخطير في الموضوع أن غياب هذا النوع من الإصلاح سيُفجّر أي مصالحةٍ عربية. وسيُفجّر بعد ذلك الواقع العربي بأسره. لقد رأى النظام السياسي العربي إلى أي مدىً يُمكن للاختلاف أن يَخصم من مشروعيته السياسية. وإلى أي مدى يمكن للقطيعة أن تكون مدخلاً للاستفراد بأطرافه. وإلى أي مدى يمكن للشقاق أن يستنزف من طاقات الأطراف المختلفة . لهذا، فالمصالحة لايجب أن تعني بالضرورة الاستتباع أو الاحتواء أو الإذعان لرأي واحد. ولايجب أن تعني غياب الاختلاف في وجهات النظر كلياً. السياسة أدوارٌ ومصالح. ولو جرّب العرب تحصيل مصالحهم المشتركة من خلال توزيع الأدوار لرأوا العجب العُجاب. ولأبصروا بعين اليقين كيف يَظهر احترامٌ متبادل وغير مسبوق مع (النظام الدولي).. في وجود رؤيةٍ سياسية تمزج في عناصرها بمهارة (المقاومة الحقيقية) و(الإصرار على الكرامة) و(إرادة الاستقلال) و(منهج الاعتدال) و(مدخل الواقعية) معاً. والسياسة تنازلات مُتبادلة. فلو تجاوز العرب عقلية (كل شيء أو لاشيء) لحلّوا من خلافاتهم أكثر مما يتصورون. ولتبين لهم أن التعامل مع التحديات الإقليمية والعالمية من مدخل (المحاور) كان فخاً قبل أن يكون أي شيءٍ آخر. ربما تبدو معادلة المصالحة والإصلاح معقدةً . لكن السياسة فنُّ الممكن. وقد تكون ثمة فرصة لتحقيق ذلك الممكن خلال المرحلة المقبلة في وجود قدرٍ من الإرادة السياسية، وقبلها وبعدها قدرٍ من التفكير السياسي الجديد.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!