في أجواء الحج وسبتمبر.. مناجاةٌ تتجاوز البشر!
تاريخ النشر: 11 سبتمبر 2016 01:24 KSA
اليوم ذكرى أحداث أيلول/ سبتمبر، وكان المفروض أن يكون المقال بعنوان: «ماذا فَعَلت أحداث سبتمبر بالعرب والمسلمين؟» تبدأ بالكتابة، فتتداعى الأفكار عن واقع أمتنا الإسلاميَّة الأليم. وشيئًا فشيئًا لا يعود ثمة معنىً لمخاطبة البشر. يتجاوز الأمر لديك تلك الحدود الفاصلة بين العقل والقلب والروح. فيصبح واجبًا أن تتجاوزَ جهةُ الخطاب البشرَ بكل ضعفهم وقصورهم وخطئهم ونقصهم، وأن تُشارك الواقفين اليوم في صعيد عرفات بالمناجاة.ماذا نقول يا ربنا؟! يعجزُ الكلام ونحن نُفكِّر في واقعنا. علّمتنا أن (اقرأ) هي الطريق، وأنّه في البدء كانت الكلمة.. فَنَسينا الكلمة، وأَعرَضنا عن اقرأ، وانشغلنا بالتفاهات وسفاسف الأمور.. وَضعتَ في الأرض قوانينك بعدلك.. وسخّرتها بمحبتك.. وأعطيتنا عقولاً كما أعطيت كل الناس، ثم قلتَ لنا: انظروا، وتفكَّروا، وسيروا في الأرض لكي تُدركوا قوانينها. فآثرنا الكسل والارتخاء. وأَشعَلنا أخسَّ ما فينا من غرائز. في حين نظرَ آخرونَ وتفكَّروا وساروا في الأرض طولاً وعرضًا، فاكتشفوا قوانينك، وامتلكوا زمام الدنيا، وأصبحوا سادةَ هذه البسيطة.عرضتَ علينا قصص الماضين، وعِبرَ السالفين. وقلتَ لنا تعلّموا واعتبروا. فَزهِدنا في قراءة التاريخ، وصِرنا أمهرَ الناس في تكرير الأخطاء، وفي إعادة التجارب، وفي الوقوع في نفس المآزق والمطبَّات.قلتَ لنا إنَّ القلم أمانة فَجَيّرهُ الكثيرون للخيانة. وحَوَّلوا إعلامنا حتى صار كثيرٌ منه نفاقًا في القول والممارسة. وصار الكثيرون أدواتٍ في أيدي الفاسدين المفسدين.طلبتَ إلينا أن نكون أُصلاءَ نُبلاء. فَبِعنا أنفسنا للتقليد والتبعية في كل مجال. وقَتَلنا في أنفسنا كل روحٍ للإبداع والابتكار. وأصبحنا نقلِّدُ في الأدب، وفي الفن، ونقلد في الفكر والثقافة والإعلام والسياسة، ونقلِّد في الملبس والمأكل والمشرب، ونقلِّد في طريقة الكلام والعادات والتقاليد. ووقف كثيرٌ من السادة المثقفين والعلماء والمفكرين متفرجين. ثم اعتقدوا واعتقدنا في النهاية أنَّنا سنستطيع أن نقف في وجه مَن نقلِّدهم، بل وأن ننتصر عليهم! ثم نعود مهللين: يا الله، يا الله، نحن عبادك.. وأنت إلهنا.نبّهتَنا أن علينا أن نعملَ ونتعبَ ونُعمرَ الأرض. وأن نتوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وبين العمل والترفيه. فصِرنا عالةً على الدنيا في كل صغيرةٍ وكبيرة. نستهلكُ ولا نعرف كيف ننتج. نأكلُ ولا نعرف كيف نزرع. لكننا أصبحنا سادة الترفيه. وتجلَّت شطارتُنا فيه، كأنَّنا أتقنَّا كل فنٍّ، وبرعنا في كلِّ صناعة، ولم يبقَ علينا سواه.يدَّعي الجهلاء منا بأنك تنسى الجائعين، وفينا المتخمون. ويدَّعون بأنك تنسى الفقراء، وبعضنا يفتح موائد القمار والمواخير، ليأتي إليها الأغنياء من السهول، ومن الوديان ومن الصحارى، لنُصبح جزءًا من المشكلة وقد كان المفروض فينا أن نكون جزءًا من الحلّ.يتورّمُ المرضُ في حنايا جَسدنا المتهالك بإهمالنا. ويُعشعش فيه الجهل والخرافة بغبائنا. وتشيع فيه الفوضى بتقصيرنا. ويموج فيه الفساد والضياع بإرادتنا. ثم نأتيك فاغري الأفواه والعيون، مشدوهينَ.. بُلهاءَ.. مستغربينَ ممَّا يحدث لنا، ونغفلُ أنه لولا رحمتك، ولولا صبرك، ولولا حلمك، لكان واجبًا أن يُبيدنا المرض منذ زمن، وأن يمحونا جهلنا من خارطة التاريخ منذ أجيال، وأن تُحيل الفوضى حياتنا إلى جحيمٍ حقيقي منذ عقود وقرون.طلبتَ منا يا ربنا أن تجتمع كلمتُنا، وأن نتعايش ونتفاهم ونتعاون ونتعارف. وذكّرتنا أن الأرض مُمتدةٌ فسيحة، وأن خيرَها يَسَعُ الجميع. ولكننا أَبينا إلاَّ أن نختلف على كل شيء. نتعارضُ في السياسة، وينهب بعضنا بعضًا في الاقتصاد، ونسرق من الآخرين إبداعهم في الأدب والفكر والثقافة والفن، ولا نعرف كيف نجد قواسم مشتركة في رؤيتنا لهذه الدنيا، وكيف نعيش فيها.. فبعضنا يريد أن يعيش في الماضي، وبعضنا الآخر يستقوي بالغريب، وبعضنا الثالث يحتمي بسيف الجبروت والطغيان، وكلهم يفعل هذا باسم المبادىء، وفي ظل الشعارات.أمرتَنا أن نكون أهل الوسط. وكثير منَّا لا يعرف إلاَّ التطرف والمغالاة في كل شيء. نتطرَّفُ ونحن نفهم ديننا. رفضًا للآخر، وتزمتًا وتكفيرًا وانغلاقًا. ونتطرفُ ونحن نعيش دُنيانا. ذوبانًا في الآخر وضياعًا، وتجاوزًا لكل الحدود والأعراف. نتطرف في علاقاتنا، ونتطرف في تفكيرنا، ونتطرف في أقوالنا، ونتطرف في أفعالنا، ونتطرف، ونتطرف...!هكذا نحن يارب.. فسامِحنا مرة أخرى.. هكذا نحن، فامنحنا مزيدًا من صبرك، ومزيدًا من حكمتك.. اهدِنا سبيلَ رُشدَنا، وارفع اليأس من قلوبنا، ولا تجعلنا جيلاً يستحق التيه في الصحراء، إلى أن يأتي جيلٌ جديدٌ يستحقُّ الحياة.