كتاب
ترامب في السعودية: بداية جديدة مع العرب والمسلمين؟
تاريخ النشر: 14 مايو 2017 01:07 KSA
لايبدو ثمة رجلٌ في العالم المعاصر يمكن أن تتمثل فيه مقولة هيغل عن مكر التاريخ كما هو الحال مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
في تلخيص سريعٍ لرأي الفيلسوف الألماني، يتحدث الرجل عما يسميه «خبث العقل الكلي المسيطر على التاريخ». في آلية هذا «الخبث»، يستعين التاريخ بالشخصيات التاريخية في سبيل تحقيق أهدافه وخططه ومقاصده، دون أن يكون هؤلاء على علم بذلك، وإنما الذي يجعل هؤلاء أقوياء هو أن أهدافهم الجزئية ومصالحهم الخاصة تحتوي على المحتوى الجوهري الذي يسميه «إرادة الروح الكلية». والواضح أن هذا يمتُّ بِصلةٍ إلى ما نسميه في ثقافتنا الأقدار، وكيف تسوق الأحداث نحو خيرٍ يريده الخالق للبشرية في نهاية المطاف..
منذ شهور، وبعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، عمَّ شعورٌ في أوساط العرب والمسلمين بالقلق من سياسات الرجل، وخاصة فيما يتعلق بهم وبثقافتهم وبلادهم. ورغم أن هذا القلق زاد مع القرارات التنفيذية المشهورة المتعلقة بسفر مواطني دول عربية وإسلامية إلى أمريكا، إلا أن طبيعة ترامب من ناحية، والعلاقة المعقدة بين دور الرئيس ودور (المؤسسة) في أمريكا من ناحية ثانية، أنتجت ما أسميتُه في مقالٍ سابق «عودة أميركا إلى العالم».
والواضح أن العودة المذكورة حصلت بدرجةٍ من البساطة، (الغريبة) لمن لايفهم أمريكا، لأن الرئيس الأمريكي الجديد كان يُعبّر عن جانبٍ هامٍ في الشخصية الأمريكية، وفي المنظومة الأمريكية، وفي منظومة العلاقات الدولية، غيَّبهُ لسنوات الرئيس السابق أوباما. لهذا قلنا وقتها: «هكذا هي أمريكا مع العالم، وهكذا حالُ العالم مع أمريكا. فيها يصدرُ القرار الذي يرسم طبيعة العلاقة بين الطرفين، ومنها يجري تنفيذ القرار عملياً، وماعلى العالم إلا أن يتفرج، وفي أحسن الأحوال، يلهثَ باحثاً عن طريقة للتعامل مع القرار».
ففي مثل هذا الوقت من رئاسته الأولى، كان أوباما قد زار تسعة بلدان حول العالم. بالمقابل، اقتصر ترامب على إرسال معاونيه الكبار إلى بلدان أهم القوى العالمية للحوار في القضايا ذات الاهتمام المشترك. لكنه حين قرر السفر خارج أمريكا بعد كل هذه المدة، اختار السعودية محطةً أولى لنشاطه السياسي الدولي. وقراءةُ القرار بالمعطيات أعلاه توضح دون عناء الطبيعة «التاريخية» لهذه الزيارة، وهو المصطلح الذي استخدمه الرئيس الأمريكي نفسُهُ عندما قرر أن يكون أولَ من يُعلن عن الموضوع، واستخدمه أيضاً وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في وصف الزيارة. والوصفُ هذا ليس اعتباطاً كما يظهر بحدٍ أدنى من الحسابات، بقدر ما يُعبر عن حقيقةٍ سياسية ذات دلالات.
لن تقتصر زيارة ترامب على لقاء خادم الحرمين الشريفين في المملكة، وإنما سيلتقي في قمةٍ خاصة مع قادة دول الخليج العربي، وفي قمةٍ أخرى مع قادة دولٍ عربية وإسلامية. بهذا، تبدو رمزية الحدث في غاية الخصوصية والأهمية لعدة أسباب، أبرزها وأكثرها وضوحاً يتمثل في معنى اللقاءات المذكورة من حيث دور المملكة في العالمين العربي والإسلامي. وبغض النظر عن الثنائيات التقليدية من الاتهام بالتزلف للسعودية من ناحية، والمبالغة في الاستخفاف بالحدث ووصمه بالاستعراض المجرد من ناحيةٍ أخرى، يتحدث المشهد أعلاه عن معناه ومؤشراته بمنطقه السياسي المباشر، وبشكلٍ يفقأ عين كل من يقرأه بخلفيةٍ مُسبقة في معرض الموقف من السعودية ودورها.
مع كل هذا، يبقى التخطيط الإستراتيجي لتوظيف الحدث مطلوباً بكل ما لدى أصحاب العلاقة من قدرةٍ على الابتكار والإبداع. فالوصول إلى هذه النقطة نتاجُ جهدٍ كبير بات معروفاً، لكن من أخطر الأمور الاعتقاد بأن حصول الزيارة تمثل نهاية المطاف. على العكس تماماً، لن يمكن بالتأكيد الركون إلى وهمٍ قد يصبح مأزقاً كبيراً، إذا ماساد الاعتقاد بأن ترامب سيتساهل في تأمين المصالح الإستراتيجية لبلاده من أجل (سواد عيون) العرب والمسلمين. لامكان هنا أبداً لعقلية انتظار الهبات من الآخر بأي شكلٍ من الأشكال، حتى لو كانت العلاقات الشخصية متميزة ووثيقة.. بمعنى أن الزيارة هي مجرد الخطوة الأولى لاستثمار الزيارة، وسيكون الجهد المطلوب مفرق طريق في تحويلها من زيارة بروتوكولية إلى حدثٍ تاريخي بكل المعاني.
من الملفت في هذا الإطار رصد درجة الذعر والشكوى في وسائل إعلام إيران وأُجَرائِها في المنطقة من الزيارة ودلالاتها ونتائجها الممكنة، والحجم الهائل لتلفيق الاتهامات وإشاعة الأكاذيب، وإشاعة كل أنواع الحرب النفسية / الإعلامية حول الزيارة وملابساتها.
وسيكون معبّراً جداً، ومفيداً أيضاً، أن نتذكر اليوم (عقيدة أوباما) التي تبارى المحللون في الادعاء بأنها ستحكم علاقة أمريكا بالعالم، وخاصةً العالمين العربي والإسلامي، على مدى عقود.. ثم إنها تبخرت في الهواء مع غياب صاحبها عن الساحة السياسية. هذه كلها دروسٌ هامةٌ جداً للمستقبل في معرض فهم السياسة الدولية والتعامل معها.
باختصارٍ وتركيز. ثمة كمونٌ كبيرٌ جداً في حصول الزيارة، بكل تفاصيلها وملابساتها، لكن النتائج الحقيقية الكبرى لها ستكون منوطةً بالجهد المبذول لاستخراج ذلك الكمون، وتحويله إلى سياسات تحقق، أخيراً، المصالح العامة للعرب والمسلمين.
في تلخيص سريعٍ لرأي الفيلسوف الألماني، يتحدث الرجل عما يسميه «خبث العقل الكلي المسيطر على التاريخ». في آلية هذا «الخبث»، يستعين التاريخ بالشخصيات التاريخية في سبيل تحقيق أهدافه وخططه ومقاصده، دون أن يكون هؤلاء على علم بذلك، وإنما الذي يجعل هؤلاء أقوياء هو أن أهدافهم الجزئية ومصالحهم الخاصة تحتوي على المحتوى الجوهري الذي يسميه «إرادة الروح الكلية». والواضح أن هذا يمتُّ بِصلةٍ إلى ما نسميه في ثقافتنا الأقدار، وكيف تسوق الأحداث نحو خيرٍ يريده الخالق للبشرية في نهاية المطاف..
منذ شهور، وبعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، عمَّ شعورٌ في أوساط العرب والمسلمين بالقلق من سياسات الرجل، وخاصة فيما يتعلق بهم وبثقافتهم وبلادهم. ورغم أن هذا القلق زاد مع القرارات التنفيذية المشهورة المتعلقة بسفر مواطني دول عربية وإسلامية إلى أمريكا، إلا أن طبيعة ترامب من ناحية، والعلاقة المعقدة بين دور الرئيس ودور (المؤسسة) في أمريكا من ناحية ثانية، أنتجت ما أسميتُه في مقالٍ سابق «عودة أميركا إلى العالم».
والواضح أن العودة المذكورة حصلت بدرجةٍ من البساطة، (الغريبة) لمن لايفهم أمريكا، لأن الرئيس الأمريكي الجديد كان يُعبّر عن جانبٍ هامٍ في الشخصية الأمريكية، وفي المنظومة الأمريكية، وفي منظومة العلاقات الدولية، غيَّبهُ لسنوات الرئيس السابق أوباما. لهذا قلنا وقتها: «هكذا هي أمريكا مع العالم، وهكذا حالُ العالم مع أمريكا. فيها يصدرُ القرار الذي يرسم طبيعة العلاقة بين الطرفين، ومنها يجري تنفيذ القرار عملياً، وماعلى العالم إلا أن يتفرج، وفي أحسن الأحوال، يلهثَ باحثاً عن طريقة للتعامل مع القرار».
ففي مثل هذا الوقت من رئاسته الأولى، كان أوباما قد زار تسعة بلدان حول العالم. بالمقابل، اقتصر ترامب على إرسال معاونيه الكبار إلى بلدان أهم القوى العالمية للحوار في القضايا ذات الاهتمام المشترك. لكنه حين قرر السفر خارج أمريكا بعد كل هذه المدة، اختار السعودية محطةً أولى لنشاطه السياسي الدولي. وقراءةُ القرار بالمعطيات أعلاه توضح دون عناء الطبيعة «التاريخية» لهذه الزيارة، وهو المصطلح الذي استخدمه الرئيس الأمريكي نفسُهُ عندما قرر أن يكون أولَ من يُعلن عن الموضوع، واستخدمه أيضاً وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في وصف الزيارة. والوصفُ هذا ليس اعتباطاً كما يظهر بحدٍ أدنى من الحسابات، بقدر ما يُعبر عن حقيقةٍ سياسية ذات دلالات.
لن تقتصر زيارة ترامب على لقاء خادم الحرمين الشريفين في المملكة، وإنما سيلتقي في قمةٍ خاصة مع قادة دول الخليج العربي، وفي قمةٍ أخرى مع قادة دولٍ عربية وإسلامية. بهذا، تبدو رمزية الحدث في غاية الخصوصية والأهمية لعدة أسباب، أبرزها وأكثرها وضوحاً يتمثل في معنى اللقاءات المذكورة من حيث دور المملكة في العالمين العربي والإسلامي. وبغض النظر عن الثنائيات التقليدية من الاتهام بالتزلف للسعودية من ناحية، والمبالغة في الاستخفاف بالحدث ووصمه بالاستعراض المجرد من ناحيةٍ أخرى، يتحدث المشهد أعلاه عن معناه ومؤشراته بمنطقه السياسي المباشر، وبشكلٍ يفقأ عين كل من يقرأه بخلفيةٍ مُسبقة في معرض الموقف من السعودية ودورها.
مع كل هذا، يبقى التخطيط الإستراتيجي لتوظيف الحدث مطلوباً بكل ما لدى أصحاب العلاقة من قدرةٍ على الابتكار والإبداع. فالوصول إلى هذه النقطة نتاجُ جهدٍ كبير بات معروفاً، لكن من أخطر الأمور الاعتقاد بأن حصول الزيارة تمثل نهاية المطاف. على العكس تماماً، لن يمكن بالتأكيد الركون إلى وهمٍ قد يصبح مأزقاً كبيراً، إذا ماساد الاعتقاد بأن ترامب سيتساهل في تأمين المصالح الإستراتيجية لبلاده من أجل (سواد عيون) العرب والمسلمين. لامكان هنا أبداً لعقلية انتظار الهبات من الآخر بأي شكلٍ من الأشكال، حتى لو كانت العلاقات الشخصية متميزة ووثيقة.. بمعنى أن الزيارة هي مجرد الخطوة الأولى لاستثمار الزيارة، وسيكون الجهد المطلوب مفرق طريق في تحويلها من زيارة بروتوكولية إلى حدثٍ تاريخي بكل المعاني.
من الملفت في هذا الإطار رصد درجة الذعر والشكوى في وسائل إعلام إيران وأُجَرائِها في المنطقة من الزيارة ودلالاتها ونتائجها الممكنة، والحجم الهائل لتلفيق الاتهامات وإشاعة الأكاذيب، وإشاعة كل أنواع الحرب النفسية / الإعلامية حول الزيارة وملابساتها.
وسيكون معبّراً جداً، ومفيداً أيضاً، أن نتذكر اليوم (عقيدة أوباما) التي تبارى المحللون في الادعاء بأنها ستحكم علاقة أمريكا بالعالم، وخاصةً العالمين العربي والإسلامي، على مدى عقود.. ثم إنها تبخرت في الهواء مع غياب صاحبها عن الساحة السياسية. هذه كلها دروسٌ هامةٌ جداً للمستقبل في معرض فهم السياسة الدولية والتعامل معها.
باختصارٍ وتركيز. ثمة كمونٌ كبيرٌ جداً في حصول الزيارة، بكل تفاصيلها وملابساتها، لكن النتائج الحقيقية الكبرى لها ستكون منوطةً بالجهد المبذول لاستخراج ذلك الكمون، وتحويله إلى سياسات تحقق، أخيراً، المصالح العامة للعرب والمسلمين.