كتاب

السعودية.. مفرق طريق تاريخي حساس

ثمة مقولةٌ شائعة لدى العرب تؤكد حقيقةً منطقيةً: «لا يمكن حجب الشمس بغربال». وبعيدًا عن الخوف والحذر والتوجس من ناحية، وعن النفاق والمداهنة من ناحيةٍ ثانية، ما مِن موضوعٍ في الدنيا إلا وتُمكن مقاربته بشكلٍ لا يُسيء لأصحابه، ولا يؤذي أهل العلاقة به، إذا تمَّ تناولهُ بإرادة خيرٍ لهؤلاء، أولًا وقبل كل شيء.. ثم إذا كانت المقاربة موضوعيةً وعلمية، تتوخى العدل والإنصاف، وتُتقن الحكمة في العرض، وتستصحب الوعي بأبعاد الصورة وجميع عناصرها.

لا خوف، في ظل توافر هذه الشروط، من الشفافية والوضوح والصراحة.. أكثر من هذا، وبقراءةٍ جدية لتجارب الدول والأمم والشعوب، قد تكون هذه الممارسة، بتكامُلها المذكور، الضامن الأكبر للتعامل مع كل القضايا، التي تتعلق بحاضر الأوطان ومستقبلها، وتحديدًا منها تلك القضايا الحساسة، التي يشيعُ التعاملُ معها، تقليديًا، بإحدى طريقتين.. فإما أن يتم تجنبُ الحديث فيها كُليًا، خوفًا من عقابيل شخصية، أو تبعات اجتماعية وأمنية وثقافية تؤثر سلبًا في نسيج المجتمع، وتخلق جزرًا معزولة ومتضاربة في هويته الجامعة، لتخرق في النهاية تماسكه واستقراره.


وإذا كان احتمال الوقوع في مثل هذا المأزق موجودًا، فإن تجنب الحوار والحديث في الموضوع يكون مشروعًا دون جدال، لأن مثل هذه الممارسات تَفقدُ، ابتداءً، في مثل هذه الحالة، سببها الأصلي.

لكن ما يمكن أن يكون على نفس الدرجة من السلبية يتمثل في تبلور طريقةٍ واحدةٍ ووحيدة للتفكير بتلك القضايا الحساسة.. وبحيث لا يكون ممكنًا، بلسان الحال أو بلسان المقال، سوى تبنّيها بكل تفاصيلها، وهي تفاصيلُ اجتهادية أصلًا، كما هو الحال مع الرؤية بأسرها.. بل كما هو الحال في كل شأنٍ يتعلق بصيرورة الواقع في مجتمعاتٍ بشرية، أكبر ما يميزُها حيوية الإنسان الهائلة التي لا يمكن استيعابُها في قالبٍ واحد، في أي مجالٍ من المجالات.


فحين تتوفر النية المخلصة تجاه الأوطان والشعوب، وهذا شرطٌ ضروريٌ ولازم نضع تحته ألف خط، يبدو مناسبًا استصحابُ مقولة الإمام مالك في مجال الفقه: «رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب»، ويبدو مفيدًا نقلُها إلى فضاء الشأن العام، واستعمالُها فيه كقاعدةٍ أساسية من قواعد التعامل بين المواطنين، تصل بهم جميعًا، وببلادهم، إلى ما فيه خيرها وخيرهم.

لقد جرب العرب كثيرًا، وما زالوا يجربون، ألف طريقةٍ وطريقة للتعامل مع هذه القضية الحساسة في رسم الحاضر والمستقبل، والمؤثرة في تقرير مصيرهم، دولًا وشعوبًا وحكومات.. فماذا لو امتلكنا القوة النفسية أولًا، والثقة بأهلنا ومواطنينا ثانيًا، وبأنظمتنا الإدارية والقانونية ثالثًا، لنجرب شيئًا جديدًا في عالمٍ بات يواجهنا بتحديات غير مسبوقة، تحتاج بدورها، للتعامل معها، إلى وسائل غير مسبوقة، تتصف بالإبداع والابتكار.

وبالعودة إلى موضوع المقولة العربية المذكورة أعلاه، وباستصحاب المقدمات الواردة بعدها، يبدو واضحًا كالشمس أن المملكة تمر في هذه المرحلة بمفرق طريق تاريخي حساس.

في هذا المفرق، ثمة حقائق يعرفها الجميع، يتحدث فيها البعض، ويسكت عنها كثيرون، لكنها بطبيعتها حقائق لا يمكن تغطيتها بألف غطاءٍ وغطاء، ولا بغربال على وجه التأكيد: المملكة مُستهدفة، وهي مستهدفة بشكلٍ غير مسبوق، وهي مُستهدفةٌ من الخارج ومن الداخل، وهي مستهدفةٌ على جميع المستويات وإلى أقصى الدرجات. ولو استطاع مَن يستهدفونها الوصول لمُرادهم، لا قدّر الله، فإنه يشمل كل شيء: شعبَها واقتصادَها وأمنها وحكومتها وجغرافيتها وثقافتها وثروتها ومكانتها ودورها. باختصار، كل ما يتعلق بحاضرها ومستقبلها.

ومن الحقائق أن من يستهدفون المملكة لا يُفرقون بين أحدٍ وآخر فيها، وأنهم استعملوا ويستعملون وسيستعملون كل طريقةٍ لتحقيق أهدافهم المشؤومة. ومن الحقائق أن الغالبية الساحقة من المواطنين، على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم ومناطقهم، رافضون، بكل قوة للاستهداف المذكور.. وهم لا يرفضون فقط أن يكونوا من أدواته، وإنما يقفون في وجهه سدًا منيعًا، بغض النظر عن أي مشكلات أو ملاحظات أو آراء قد تكون لديهم فيما يتعلق بالظروف والأحوال، التي تشهدها المملكة.

ومن الحقائق أن خط الدفاع الأول والأخير والأقوى عن المملكة يتمثل في ذلك الإجماع الوطني.. وهو اجماعٌ داخلي صلب يَظهرُ وجودهُ، للدارس المتفحص، كامنًا وراء غلالةٍ شفافةٍ خارجيةٍ من الضجيج.. وينجم عن خط الدفاع المذكور تماسكٌ اجتماعي وسلمٍ أهلي لا يزال متجذرًا في المملكة رغم كل التحديات.. وبكثيرٍ من الشفافية، وبمقارنةٍ مع دول ومجتمعات ذات تجارب أخرى، قريبة أو بعيدة، تبدو درجة إصرار المجتمع في المملكة على ترسيخ التماسك والحفاظ على السلم متقدمةً جدًا، وكبيرةً جدًا، قياسًا إلى ما حدث، وما يمكن أن يحدث، في تلك التجارب الأخرى من فوضى وتفكك وانهيارات.

وإذ نعيش هذه الأيام، في منطقتنا، التبعات الكبرى لاستفتاء كردستان بكل دروسها وتداعياتها، من نتائج الحسابات الخاطئة في صناعة سياسات تقوم على الفكر الرغائبي، لا على معطيات الواقع.. ومن الفوضى الداخلية العارمة التي نتجت عن رفع توقعات الأكراد بشكلٍ غير مدروس. ومن خيبة الأمل بالحلفاء الكبار بعد التعاون والتنسيق معهم حول كل شيءٍ وفي كل مجال.. ومن ممارسةٍ صارت متكررةً بشكل ممل، وإن كان خطيرًا، تتمثل في دوران الأحداث لتكون نتيجتُها، مرةً أخرى، تقديم هديةٍ على طبقٍ من فضة لإيران، متمثلًا في الأكراد وثروتهم هذه المرة، كما أكدت وسائل الإعلام الدولية، ومعها الخبراء والمحللون، خلال الأيام الماضية. إذ نعيش كل هذه الأحداث، فإن السبيل إلى تجاوز المملكة للمفرق التاريخي الحساس، الذي تمر فيه اليوم يبدو في المراهنة، أولًا وأخيرًا، على شعبها المحب لوطنه، والمراهنة عليه بكل ما يمكن ابتكاره والإبداع فيه من وسائل وأساليب. وإن كان هذا لا يخفى على أصحاب العلاقة، فعلَّهُ يكون، على الأقل، من تلك الذكرى التي تنفع المؤمنين.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»