كتاب

إسلامٌ بلا حروب! (٣)

«القائد الماهر هو الذي ينتصر في الحرب دون قتال/ معركة».. ليست هذه مقولةً لغاندي.. وإنما للقائد الإستراتيجي الصيني الشهير صن تزو في كتابه الأشهر «فن الحرب».. ثمة علاقةٌ حساسة بين تلك القاعدة التي وضعها واحدٌ من أشهر القادة العسكريين في تاريخ البشرية وبين رسالة هذا المقال من ناحية، وكتاب الدكتور حبش من ناحية ثانية.

وإذا كان الصراع جزءاً من الطبيعة الإنسانية، كما ذكرنا، على مستوى الأفراد والجماعات البشرية، فإن قرار اللجوء دون تفكير إلى العنف والحرب العسكرية، كان وسيبقى نوعاً من الاستسهال يُولَدُ من غرور القوة، والاعتقاد بأن تلك القوة، خاصة في صورتها العُنفية العسكرية، ما يُحقق طموحات القادة واستقرار الدول وأمنها. في حين أنه غالباً ما يؤدي لكوارث غير محسوبة، تمس صاحب القرار قبل غيره. لا حاجة لتفاصيل من التاريخ القديم، فنادراً ما توجد فيه حروبٌ تُثبت عكس ذلك. ويكفي استحضار حروب القرن العشرين، إلى يومنا الراهن في كل مكان في العالم، لتظهر صدقية المقولة بوضوح الشمس في كبد السماء.


ما يزيد المسألة تعقيداً تركيزُ المؤرخين في كثيرٍ من الثقافات، وفي ثقافة المسلمين والعرب تحديداً، على أحداث الماضي المتعلقة بالحروب والصراعات، لتكون جزءاً رئيساً من (تاريخٍ) يسجلون صفحاته للبشرية.

من هنا، تبدو إعادة كتابة التاريخ الإسلامي حاجةً مُلحّة لثلاثة أسباب على الأقل.. فمن ناحية، تُغفل تلك الكتابة، بوضعها الراهن، إلى درجة كبيرة -كي لا نُعمّم- تاريخ المجتمعات الإسلامية بأنماط حياتها المتنوعة الغنية وممارساتها المتفاوتة من زمان لزمان ومن مكان لآخر.. وهو ما يُعطي فهماً مختلفاً كلياً عن حيوية تنزيل الإسلام على الواقع في تلك المجتمعات، وكيف تفاعل الدين معها، ومع ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، بشكلٍ يُمكن وصفهُ بالاستيعاب المتبادل.. هذا بدلاً من (التنميط) الذي يُفهم من التاريخ، بتوثيقه النظري الراهن، عن حياة المسلمين، ويجعلهم أقرب لصورة (روبوت) كان يعيش وفقاً لتعاليم الشريعة، وتحديداً كما رسمها، نظرياً أيضاً، رجال الفقه والتفسير والحديث.. وهذا حديثٌ، على أهميته، يطول ونعود إليه لاحقاً.


من ناحية أخرى، تبدو إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ضرورةً لتبيان حقائق مسكوتٍ عنها تصف العلاقة الوثيقة والمُلتبسة بين السلطة السياسية وبين كثيرٍ من رجال الدين، الذين كان عطاؤهم موظفاً لترسيخ الشرعية السياسية و(تسكين) النشاط الاجتماعي في أطرٍ محددة تَضمنُ تلك الشرعية.. وتتأكد ضرورة إعادة النظر المذكورة في التاريخ الإسلامي المكتوب، أخيراً، لتوضيح جوانب ثانية من التاريخ الحقيقي للمسلمين.. خاصة فيما يتعلق بمواقف قادةٍ وزعماء وصانعي قرار من مسألة العنف والحروب.

فبدون إعادة النظر والمراجعة، سيبقى حاضرنا محكوماً بالماضي المكتوب، من باب كونه عند غالبية المسلمين جوهر ثقافة الإسلام في كل زمان ومكان.. ولهذا، يبدأ الدكتور حبش كتابه بمحاولة توضيح تلك الفكرة الأخيرة الحساسة بهذا النقل المهم، حين يقول: «تأتي هذه الدراسة على خلاف الصورة النمطية في تدوين التاريخ حيث تروج ثقافة أن التاريخ هو تدوين حياة المحاربين والمعارك الفاصلة، ويقوم كثير من المؤرخين بتدوين التاريخ على أساس أنه سلسلة من الحروب والمعارك، وأن الحرب لا السلم هي التي ترسم صورة التاريخ، وأن الذين يكتبون التاريخ هم أولئك الذين يملكون قرار الحرب ويندفعون بشجاعة للتغيير وينجحون في ذلك، وأن التاريخ هو سِجلُّ ما جرى فيه من حروب وكوارث. ولم يكن المؤرخ الاسلامي استثناءً من هذه القاعدة فقد دوّن التاريخ دوماً بسرد الحروب والمعارك، وحتى في السيرة النبوية فقد استهوى ذلك المؤرخين فسطروا سيرة النبي الكريم من خلال المعارك والغزوات والحروب، واشتهرت كتب السيرة نفسها بأنها كتب المغازي، مغازي أبان بن عثمان، ومغازي موسى بن عقبة، والسير والمغازي لابن اسحاق، وإنارة الدجى في مغازي خير الورى للشنقيطي المالكي، ومغازي الواقدي، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبدالبر، والاكتفاء بمغازي رسول الله، ومن يقرأ السيرة النبوية في كثير من أعمال المتقدمين يصاب بالإحباط حيث يبدو النبي الكريم محارباً لا يضع سيفه عن عاتقه ولا يغمد سيفه ولا ينزل عن حصانه».

يوضح الكاتب طبعاً في كتابه التوازنات الحساسة في حياة الرسول الكريم، ويبين ممارساته التي تُعبّر عن رؤيته الشاملة، وقراراته التي تجمع بين الواقعية والمبادئية.. وهو ما سنتابع استعراضه في الجزء القادم من المقال.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»