كتاب

خرافة الخندق الواحد: ظاهرة عهد التميمي من منظار سوري (١)

«ليس ضرباً من الرومانسية الثورية أو الحنين المبتذل أن أقول إنني أدينُ بالكثير لانتفاضة الثامن عشر من آذار في سوريا، وللسوريات والسوريين الذين فجّروها وساروا في ركابها وضحّوا بأمنهم وحياتهم وأحلامهم الشخصية دفاعاً عن مطالبها ومبادئها. تعلّمتُ الكثير من شجاعة ثائرات وثوار سوريا، شجاعتهم في استعادة فضاءٍ عام كان اختراقه محرّماً عليهم طيلة عقود من هيمنة الطغمة الحاكمة. تعلّمت من أناشيد التائقين للكرامة والحرية، ومن أهازيجهم في وجوه الدبابات وتحت هدير الطائرات، ومن أصواتهم وأياديهم المتشابكة وهي تحوّل المجاز إلى واقعٍ ملموس، ومن مواصلتهم الغناء حتى بعد أن تستهدف القذائف مظاهراتهم السلميّة. تعلّمت كيف يُصرّ الحالمون بالانعتاق على إيجاد طرق جديدة وخلّاقة، يتجاوزون بها رقابة النظام التي كانت تبدو عصيّةً على المراوغة، تماماً كما يصرّون الآن على تحطيم الحدود بأجسادهم ودمائهم، وعلى شقّ طرق جديدة لم يسلكها غيرهم من قبل نحو أوروبا، بدءاً بقوارب الموت المبحرة في المتوسّط، مروراً بالصهاريج التي تنقل الشوكولا من فرنسا إلى بريطانيا، وصولاً إلى الالتفاف حول القارّة عبر الدائرة القطبية.

قد يبدو غريباً أن يصدر هذا الكلام عن فلسطينيّة، ونحن الذين اعتدنا أن يُخبرنا الجميع أن نضالنا وصمودنا ألهَمَهم وكان مَثَلَهم الأعلى، ولكن ما تعلمته من السوريات والسوريين في الأعوام الأربعة الأخيرة، وما أحدثته انتفاضة 18 آذار في وعيي وحياتي، لا يقل جذرية وتأثيراً عما منحتني إياه فلسطين منذ الانتفاضة الثانية.


أكثر ما أدين به لثورة السوريين هو تجاوز فكرة البوصلة الواحدة والوحيدة، والتجرّؤ على تحطيم أيقوناتنا النضالية، دون أن يؤدي بي هذا إلى التشكيك بعدالة القضية الفلسطينية أو التنازل عن ثوابتنا، بل بالعكس. ما تبدّل هو أن أولوية تحرير فلسطين أُضيفت لها أولويات أخرى، وأنني تمرّنتُ على رؤية القضية بعيون المقاومين السوريين المرابطين على جبهة الزبداني، وليس من عيوني الفلسطينية فحسب. لم يعد السجل النضالي لأي شخصيةٍ وطنية، من ليلى خالد إلى سمير قنطار، قادراً على تبرئتهم من جرم خذلان السوريين ومعاداة ثورتهم».

هذا الاقتباس الطويل مهمٌ ومشروع. فهو صادرٌ عن المناضلة والناشطة الفلسطينية بُدور حسن، والتي توصف أحياناً بأنها (يسارية). كلامها يَردُ في مادةٍ نشَرَتها على موقع (المنتدى الاشتراكي)، وكانت هي التي اختارت عنواناً يُشكِّل النصف الأول من عنوان هذا المقال: «خرافة الخندق الواحد».


الاقتباس مهمٌ لأنه ردٌ بلسانٍ فلسطيني لايمكن اتهامه بـ (المياعة) في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وهو ما يُحاصِرُ به بعضُ سوريين ينظرون بدهشة إلى ظاهرة عهد التميمي هذه الأيام، ويُقارنون. فلدى هؤلاء المسكونين بـ (القضية)، ستكون تلك المياعةُ أقلَّ مايُتهم به السوريون حين يحاولون شرح الملابسات المقترنة بـ (بطولة) الفتاة الفلسطينية، قياساً لتلك المقترنة بعشرات ومئات الآلاف من السوريين الذين تحدثت بُدور حسن عنهم. من السخيف، لدى هؤلاء، الدهشةُ من خروج عهد من سجنها وقد زادَ وزنها وتورّدت خدودها!.

لاداعي لتكرار الحديث بكلماتي عن الدهشة وأسبابها. فالكلام للسوريين، ومنهم الإعلامي الصديق إياد شربجي وهو يقول: « قامت بصفع جندي إسرائيلي أمام الكاميرات، فأودعت السجن وحظيت بمحاكمة عادلة وكانت تأكل وتشرب طعاماً مراقباً من المنظمات الدولية، وتقرأ وتكتب وتشتم سجانيها ليل نهار، وتستطيع التواصل مع أهلها يومياً، ولم يؤذها أو حتى يهينها ويشتمها أحد طيلة فترة احتجازها، وكُتبت عنها آلاف المقالات، وصورت عشرات اللقاءات والشهادات والأفلام التي تتحدث عن نضالها وصمودها، وكُتبت فيها الأشعار، وغنى لها مارسيل وجوليا بطرس وغيرهم، والآن خرجت كبطلةٍ أسطورية والإعلام يحيط بها كنجمة هوليودية، وغداً ستجد عشرات المنظمات التي ستحيطها بالرعاية والتمويل وتمنحها الجوائز وستتلقى عروضاً من دور نشر وشركات إنتاج لتكتب وتصور تجربتها، وستُدعى إلى المؤتمرات وستسافر على درجة رجال الأعمال لتحضر وتتحدث عن تجربتها في الاعتقال وتقدم النصائح والحِكَم والخلاصات عن البطولة في وجه الظلم، وتوقع الأوتغرافات وتُلتقط معها السيلفيات. يا خسارة بناتنا اللاتي رأين الأهوال، وخرجن من سجونهن وهن يحملن نطاف الاغتصاب وألف مرضٍ عضوي ونفسي سيرافقهن للأبد.. وفوق كل ذلك يتلقفها المجتمع كعاهةٍ جلبت العار لأهلها ويتسترون على مصابها ووجعها كي لا تجلب لهم مزيداً من الفضائح. عذرا عهد.. لا نستطيع مقاومة عدم رصد هذه المقارنة.. (نيّالِك) على عدوك، لو كنتِ لدى النظام السوري المقاوم لكنت الآن تحت التراب بعد أن شبعوا فيك نهشاً.. بالأحرى لو كنت في سورية لما تجرأت ربما على فعل أي مما فعلت مع عدوك الإسرائيلي!..».

نتّهمُ العالم بازدواجية المقاييس، ولاننظر إلى ممارساتنا باسم (القضية)! وللحديث المؤلم، والضروري، بقية.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»