كتاب

خرافةُ الخندق الواحد: ظاهرة عهد التميمي من منظار سوري (٢)

هل من الحق القولُ بأن قضية فلسطين تمثل في ذاتها (القضية)، بألف ولام التعريف، بالنسبة للعرب والمسلمين؟ أم أنها عَرَضٌ لأزمةٍ أكبر بكثير في عمق نسيجنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والعلمي والأخلاقي؟ نعرف أن مجرد طرح السؤال يمثل دخولاً في حقل ألغام، وأنه يمكن أن يبدو، في نظر البعض، خرقاً لدوائر المحرمات و(التابو) التي لايجب الاقتراب منها ابتداءً. لكن السؤال يفرض نفسه، بألف طريقة وطريقة. فعلى فرض أن اللاعبين السياسيين هنا وهناك وجدوا حلاً معيناً لهذه القضية، هل سيعني هذا بالضرورة أننا تجاوزنا أزمتنا الحضارية الكبرى، أزمة الهوية وأزمة الدور في هذا العالم؟

الأصلُ أن وجود حدٍ أدنى من المشاعر الإنسانية لا يسمح لبشرٍ، أياً كان جنسه ولونه وانتماؤه، بتجاوز المآسي التي تقع في أي مكانٍ من العالم. ونحن عندما نسأل هذه الأسئلة لا نقصد التهوين من شأن ماجرى ويجري في فلسطين، بقدر ما نحاول إدراج الأمر في سياقه الشامل. هذا أمرٌ لا بد منه إذا أردنا أن نضع أصبعنا على الجرح، ونعرف الأسباب الحقيقية لواقعنا الصعب، عرباً ومسلمين.


وقد يكون التركيز على (قضيةٍ) واحدة على أنها (أمُّ القضايا)، هروباً من مواجهة ألف قضيةٍ وقضية أخرى يجب أن تشغل الاهتمام، لأنها متداخلةٌ جميعاً في تأثيرها على الحاضر والمستقبل. لكن (الميزان) الذي نستخدمه للحكم على القضايا يجب أن يكون واحداً، ليبقى مُنصفاً وعادلاً، وموضوعياً قبل ذلك وبعده.

فعلى سبيل المثال، يبدو الحديثُ جميلاً عن (كرامة) الإنسان الفلسطيني، في سياق مشهد (عهد التميمي) الذي ملأ فضاء العرب لأيام. ويبدو جميلاً أن تتصاعد الدعوة إلى حقّ الإنسان في أن يعيش، وأن يكون له رأيٌ في مستقبله ومصيره. ويبدو جميلاً أن ننحاز إلى (الحياة)، وأن نقف مع كل ما يجعلها تستمرّ بظروفٍ تليق بإنسانية الإنسان. وأن نقف ضدّ كل ما يقتل معناها وجوهرها الأصيل. ويبدو جميلاً أن نعيد الاعتبار لقيمة الجمال نفسها، وأن نحارب القبح بكل صوره والبشاعة بكل أشكالها، وأن نُشدّدَ على مشروعية البحث عن السعادة والطمأنينة والأمن.


لكن بشرطٍ واحد. ألا يكون كل هذا الحديث، بكل تلك المحاور، محصوراً في فلسطين وفي إنسانها. فالكرامة الإنسانية لايمكن أن تكون قيمةً (معلبةً) في إطارٍ مُحددٍ بإحداثيات الزمان والمكان. وقيمةُ الإنسان لا تتغير حسب موقع (المزاد). بحيث تُصبح كبيرةً ويُضحي الحديثُ عنها ضرورياً في موقع، وتُمسي صغيرةً لا تسترعي الانتباه في موقعٍ آخر.

والإنسانُ العربي يستأهل، أينما كان، رؤيةَ من يدافع عن حقه في الوجود وفي الحياة بكرامة. إن دمعة الأم تبقى دمعة أم، سواء نزلت على خدود الأمهات في فلسطين أو خارجها. والبكاءُ بسبب مشاعر القهر والعجز واليأس، في كثيرٍ من (حواري) سوريا مثلاً، ليس أرخصَ من البكاء على شهيدٍ أو فقيد في حواري فلسطين.

وإصابةُ طفل بجرحٍ غائرٍ في روحه وقلبه خارج فلسطين، وهو يهيم في الحواري بحثاً عن كسرة خبز أو عن مأوى، لاتقلُّ شأناً عن إصابة طفل داخلها بجرحٍ في جسده من شظية صاروخ.

لهذا. لايجوز أن ننحاز إلى الحياة في فلسطين فقط. ثم ننسى الموضوع عندما يتعلق الأمر بسوريا وإنسانها.

وحين يُصبح الحزن علامةً فارقةً ومميزةً في الواقع العربي. وتُصبح الطمأنينة سلعةً نادرةً يبحث عنها ملايين العرب مع كل طلعة شمس، لايجوز أن نتذكر فقط حقّ الإنسان الفلسطيني بأن يبحث عن السعادة ويشعر بالطمأنينة والأمن والأمان، ثم نتوقف عند تلك النقطة.

بدأنا الحديث في المقال الماضي بشهادة الفلسطينية الناشطة بدور حسن، وننهيه اليوم بمقولتها في وصف حال الازدواجية في النظر إلى المشهدين السوري والفلسطيني: «كان يكفي [عندي] تاريخُ حزب الله في مقاومة الاحتلال وفي الاستمرار بمقارعته، ودوره في مدّ المقاومة الفلسطينية في غزّة بالعون والسلاح، للتغاضي عن طائفيته ويمينيته. كل هذه كانت (أخطاءَ) يمكن السكوت عنها ضمن المعركة الأهم ضد الاحتلال. كانت معاداة النظام الإيراني الصريحة للاحتلال الإسرائيلي كافية كي أتلعثم في موقفي من احتجاجات الإيرانيين عام 2009، تلعثماً شعر به الكثيرون ولم يدفع ثمنه الإيرانيون وحدهم بل ما زلنا ندفع ثمنه جميعاً... (القدس) التي يتحدث عنها نصر الله ليست القدس التي نعيش فيها، فقُدسهُ بطاقةُ اعتماد تستلّها الممانعة لتثبت تفوقاً أخلاقياً في معاركها مع خصومها، وهي الآن شعارٌ يسوّغ حرب تطهير عرقي في سوريا، ويبرّر الزج بالآلاف من فقراء الجنوب اللبناني في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. قُدسهُ فيلقٌ حربيٌ إيراني تأسّس على القمع، وفلسطينهُ فرعٌ أمنيٌ قتلَ وعذّب من المعتقلين الفلسطينيين ما يزيد عن كل ضحايا القتل والتعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي».

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»