كتاب
ماذا يجري في أمريكا؟ (2)
تاريخ النشر: 26 أغسطس 2018 01:00 KSA
تبقى أمريكا، حتى في أزماتها، مصدراً لأسئلةٍ لايبدو أن أحداً في بلاد العرب يهتم بالبحث لها عن إجابات.
بهذه الكلمات، انتهى المقال السابق الذي يتحدث عما يجري في أمريكا هذه الأيام. لكن افتقاد الإجابات للأسئلة التي يقذفها في وجهنا، كعرب، الواقعُ الأمريكي، يعني بقاءنا معلَّقينَ في سديمٍ من الفوضى والحيرة والتشويش. ببساطة، لأن ثمة حبلاً سرياً يربط حاضرنا بحاضر أمريكا، ومستقبلنا بما ستؤول إليه الأوضاع فيها.
قد لا يكون (مريحاً)، لكثيرين، الحديثُ بصراحة في الحقيقة المذكورة أعلاه. لكن هذا لا يلغي كونَها تحدياً لن نملك سوى مواجهته، نهاية المطاف. كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ من البترول إلى الإسلام ومن الموقع الإستراتيجي إلى إسرائيل، تتعدد العوامل ويبدو هذا قدَراً لا مهربَ منه. لكن الحال، إياه، يكشف، في الآن نفسه، الجانب الآخر من الصورة: إن أمريكا نفسها مهووسةٌ بنا.
هناك من يقول بعكس ذلك كلياً من العرب، كتّاباً ومثقفين وأكاديميين. بل إن هؤلاء يعتبرون أي حديثٍ عن اهتمام أمريكا بالعرب وعالمهم محضَ أوهام. أو أنه تشاوفٌ وادعاءٌ، ومحاولةٌ يائسة تحاول إعطاء العرب قيمةً ودوراً مُصطنعاً في عالمٍ مفعم بصراعات البحث عن أدوارٍ وقيمة وتحقيقِ مصالحَ وتطلُّعات.
ما يفوتُ هؤلاء أن حديثنا عن هوس أمريكا بالعرب لاينبع من الاعتقاد بأنها معجبةٌ بإنجازاتنا العلمية والصناعية.. أو أنها مبهورةٌ بمستوى تنظيماتنا الإدارية والاقتصادية والثقافية.. أو أنها، ببساطة، واقعةٌ في حبنا، لوجه الله، أو كما يقولون، لزرقة عيون بعضنا والسُمرة الجذابة لجبهات وزنود بعضنا الآخر!
وإنما يصدر حديثنا عن الدلالات الإستراتيجية للعوامل المذكورة أعلاه، وقيمتِها في حسابات ومعادلات الصراعات الجارية. هذا فضلاً عن إدراكها، أمريكا، لـ (الكمون) الموجود في مجتمعاتنا وثقافتنا، إن لجهة قدرتنا، يوماً ما، على استخراج ماهو إيجابيٌ فيها، أو لجهة قدرة ماهو سلبيٌ فيها على إشاعة فوضى في العالم، ليس لها مثيل.
ما يفوت الناقدين لنظرية اهتمام أمريكا الكبير بـ (الشأن العربي) أيضاً أن (الزهد) الظاهري في الإعلام الأمريكي، وحتى في تصريحات الساسة الأمريكان المتعلقة بالشؤون الداخلية والخارجية، بذلك الشأن لايعكس على الإطلاق حجم الاهتمام الحقيقي للمؤسسة السياسية / الاقتصادية / العسكرية الأمريكية به. على العكس من ذلك، يَظهر من تجارب السياسة الخارجية لأمريكا، في القرن الماضي على الأقل، أن درجة الاهتمام الحقيقي بمسائل حساسة ومفصلية تتعلق بتلك السياسة تتناسب عكساً مع الحديث العلني عنها. في حين أنها تُفرَز لتوضع تحت غطاء الدبلوماسية السرية بديناميكيتها ووسائلها الخاصة، وإلى ما يُسمى في حقل العمل السياسي الخارجي بالمسارات الجانبية غير المعلنة، وتُسمى Track two في الأوساط السياسية.
كمثالٍ مصغرٍ فقط، رأى السوريون الذين تحركوا في الساحة السياسية، على مدى السنوات الملتهبة الماضية، عجائب تتعلق بحجم المفارقة بين ما يُعلن في المؤتمرات الصحفية والاجتماعات العلنية بخصوص قضيتهم أمام عيونهم، وبين ما سمعوه من آراء ونصائح صريحة ومباشرة، وشاهدوه من ممارسات واضحة، تتناقض في كثير من الأحيان، وبشكلٍ جذري، مع كل ماكان يسمعه الآخرون في العلن!..
عودةً إلى الواقع الأمريكي الراهن، ومحاولة ربطه بجوهر موضوع هذا المقال. ثمة استحقاقات خطيرة ومتسارعة تحصل في أمريكا داخلياً، ليس أقلُّها القضايا القانونية المتزايدة التي يبدو أنها تحاصر الإدارة الأمريكية بشكلٍ غير مسبوق. هذا فضلاً عن تزايد التوقعات بحصول مايُسمى في أمريكا بالموجة الزرقاء Blue Wave فيما يخص الانتخابات النصفية بعد أسابيع قليلة. والمقصود بها مؤشرات عديدة توحي بانقلابٍ في ميزان القوى لصالح الديمقراطيين في جناحي الكونغرس تحديداً، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بما يمكن له، إن حصل، أن يقلب كل معادلات النفوذ والتأثير في الكونغرس، وبما يمكن أن يؤدي إلى سياسات اقتحامية (وانتقامية) تُمكِّنُ الديمقراطيين من قلب كل سياسات ترامب خلال العامين الماضيين، إن بشكلٍ عام، أو فيما يتعلق بالعرب، والشرق الأوسط عموماً، وبما يمكن له أن يقلب رأساً على عقب كل الترتيبات التي قام بها عربٌ، ومنهم نافذون كثيراً، بالتنسيق مع ترامب في تلك الفترة.
بشيءٍ من الدخول في التفاصيل، لاداعي لذكرها في هذا المقام حالياً، لأن أصحاب الشأن يعلمون دلالاتها الخطيرة والحساسة والمعقدة، يمكن للسيناريو المذكور أعلاه أن يكون بمثابة كابوسٍ سياسيٍ شامل يمكن أن يدخلنا في نفقٍ مظلم في أكثر من مجال!..
من هذا كله، يحتاج الأمر لاستنفارٍ مدروسٍ وشامل يتعلق بهذا التحدي بأسره، يُجانبُ العناد الشخصي وتجاهل الحقائق العملية. وذلك للقيام بجهدٍ مؤسسي منهجي سياسي شامل، يخفف الآثار التي يمكن أن تكون مدمرةً لهذا الكابوس، أو يخفف من تأثيرها على الأقل. يطلقون على هذه المسائل في اللغة السياسية مسميات مألوفة، قد يكون أكثرها شيوعاً Damage Control ، أو التصميم المُسبق لحملات السيطرة والتأثير المحترفة المدروسة على ما سيظهر ويتبين من قضايا ويتكشف عن مسائل حساسة، سيكون لها، مرةً أخرى مستتبعات غير مرغوبة على الإطلاق، لا لصانع القرار العربي، ولا لمصلحة العرب جميعاً.
لكن هذا لن يكون، أبداً بديلاً، لتفكير جديٍ مسؤول ومبدعٍ وخلاق، يعمل جذرياً على التحضير لما هو قادم من عواصف ستخلط الأمور بشكل استثنائي، من استسهال اللجوء لاختزال مخل يفترض أنها تتعلق بالشعوب وحدها، ولن تمس الدول والحكومات العربية.
بهذه الكلمات، انتهى المقال السابق الذي يتحدث عما يجري في أمريكا هذه الأيام. لكن افتقاد الإجابات للأسئلة التي يقذفها في وجهنا، كعرب، الواقعُ الأمريكي، يعني بقاءنا معلَّقينَ في سديمٍ من الفوضى والحيرة والتشويش. ببساطة، لأن ثمة حبلاً سرياً يربط حاضرنا بحاضر أمريكا، ومستقبلنا بما ستؤول إليه الأوضاع فيها.
قد لا يكون (مريحاً)، لكثيرين، الحديثُ بصراحة في الحقيقة المذكورة أعلاه. لكن هذا لا يلغي كونَها تحدياً لن نملك سوى مواجهته، نهاية المطاف. كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ من البترول إلى الإسلام ومن الموقع الإستراتيجي إلى إسرائيل، تتعدد العوامل ويبدو هذا قدَراً لا مهربَ منه. لكن الحال، إياه، يكشف، في الآن نفسه، الجانب الآخر من الصورة: إن أمريكا نفسها مهووسةٌ بنا.
هناك من يقول بعكس ذلك كلياً من العرب، كتّاباً ومثقفين وأكاديميين. بل إن هؤلاء يعتبرون أي حديثٍ عن اهتمام أمريكا بالعرب وعالمهم محضَ أوهام. أو أنه تشاوفٌ وادعاءٌ، ومحاولةٌ يائسة تحاول إعطاء العرب قيمةً ودوراً مُصطنعاً في عالمٍ مفعم بصراعات البحث عن أدوارٍ وقيمة وتحقيقِ مصالحَ وتطلُّعات.
ما يفوتُ هؤلاء أن حديثنا عن هوس أمريكا بالعرب لاينبع من الاعتقاد بأنها معجبةٌ بإنجازاتنا العلمية والصناعية.. أو أنها مبهورةٌ بمستوى تنظيماتنا الإدارية والاقتصادية والثقافية.. أو أنها، ببساطة، واقعةٌ في حبنا، لوجه الله، أو كما يقولون، لزرقة عيون بعضنا والسُمرة الجذابة لجبهات وزنود بعضنا الآخر!
وإنما يصدر حديثنا عن الدلالات الإستراتيجية للعوامل المذكورة أعلاه، وقيمتِها في حسابات ومعادلات الصراعات الجارية. هذا فضلاً عن إدراكها، أمريكا، لـ (الكمون) الموجود في مجتمعاتنا وثقافتنا، إن لجهة قدرتنا، يوماً ما، على استخراج ماهو إيجابيٌ فيها، أو لجهة قدرة ماهو سلبيٌ فيها على إشاعة فوضى في العالم، ليس لها مثيل.
ما يفوت الناقدين لنظرية اهتمام أمريكا الكبير بـ (الشأن العربي) أيضاً أن (الزهد) الظاهري في الإعلام الأمريكي، وحتى في تصريحات الساسة الأمريكان المتعلقة بالشؤون الداخلية والخارجية، بذلك الشأن لايعكس على الإطلاق حجم الاهتمام الحقيقي للمؤسسة السياسية / الاقتصادية / العسكرية الأمريكية به. على العكس من ذلك، يَظهر من تجارب السياسة الخارجية لأمريكا، في القرن الماضي على الأقل، أن درجة الاهتمام الحقيقي بمسائل حساسة ومفصلية تتعلق بتلك السياسة تتناسب عكساً مع الحديث العلني عنها. في حين أنها تُفرَز لتوضع تحت غطاء الدبلوماسية السرية بديناميكيتها ووسائلها الخاصة، وإلى ما يُسمى في حقل العمل السياسي الخارجي بالمسارات الجانبية غير المعلنة، وتُسمى Track two في الأوساط السياسية.
كمثالٍ مصغرٍ فقط، رأى السوريون الذين تحركوا في الساحة السياسية، على مدى السنوات الملتهبة الماضية، عجائب تتعلق بحجم المفارقة بين ما يُعلن في المؤتمرات الصحفية والاجتماعات العلنية بخصوص قضيتهم أمام عيونهم، وبين ما سمعوه من آراء ونصائح صريحة ومباشرة، وشاهدوه من ممارسات واضحة، تتناقض في كثير من الأحيان، وبشكلٍ جذري، مع كل ماكان يسمعه الآخرون في العلن!..
عودةً إلى الواقع الأمريكي الراهن، ومحاولة ربطه بجوهر موضوع هذا المقال. ثمة استحقاقات خطيرة ومتسارعة تحصل في أمريكا داخلياً، ليس أقلُّها القضايا القانونية المتزايدة التي يبدو أنها تحاصر الإدارة الأمريكية بشكلٍ غير مسبوق. هذا فضلاً عن تزايد التوقعات بحصول مايُسمى في أمريكا بالموجة الزرقاء Blue Wave فيما يخص الانتخابات النصفية بعد أسابيع قليلة. والمقصود بها مؤشرات عديدة توحي بانقلابٍ في ميزان القوى لصالح الديمقراطيين في جناحي الكونغرس تحديداً، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بما يمكن له، إن حصل، أن يقلب كل معادلات النفوذ والتأثير في الكونغرس، وبما يمكن أن يؤدي إلى سياسات اقتحامية (وانتقامية) تُمكِّنُ الديمقراطيين من قلب كل سياسات ترامب خلال العامين الماضيين، إن بشكلٍ عام، أو فيما يتعلق بالعرب، والشرق الأوسط عموماً، وبما يمكن له أن يقلب رأساً على عقب كل الترتيبات التي قام بها عربٌ، ومنهم نافذون كثيراً، بالتنسيق مع ترامب في تلك الفترة.
بشيءٍ من الدخول في التفاصيل، لاداعي لذكرها في هذا المقام حالياً، لأن أصحاب الشأن يعلمون دلالاتها الخطيرة والحساسة والمعقدة، يمكن للسيناريو المذكور أعلاه أن يكون بمثابة كابوسٍ سياسيٍ شامل يمكن أن يدخلنا في نفقٍ مظلم في أكثر من مجال!..
من هذا كله، يحتاج الأمر لاستنفارٍ مدروسٍ وشامل يتعلق بهذا التحدي بأسره، يُجانبُ العناد الشخصي وتجاهل الحقائق العملية. وذلك للقيام بجهدٍ مؤسسي منهجي سياسي شامل، يخفف الآثار التي يمكن أن تكون مدمرةً لهذا الكابوس، أو يخفف من تأثيرها على الأقل. يطلقون على هذه المسائل في اللغة السياسية مسميات مألوفة، قد يكون أكثرها شيوعاً Damage Control ، أو التصميم المُسبق لحملات السيطرة والتأثير المحترفة المدروسة على ما سيظهر ويتبين من قضايا ويتكشف عن مسائل حساسة، سيكون لها، مرةً أخرى مستتبعات غير مرغوبة على الإطلاق، لا لصانع القرار العربي، ولا لمصلحة العرب جميعاً.
لكن هذا لن يكون، أبداً بديلاً، لتفكير جديٍ مسؤول ومبدعٍ وخلاق، يعمل جذرياً على التحضير لما هو قادم من عواصف ستخلط الأمور بشكل استثنائي، من استسهال اللجوء لاختزال مخل يفترض أنها تتعلق بالشعوب وحدها، ولن تمس الدول والحكومات العربية.