كتاب

درسٌ آخر في (الابتذال) السياسي.. من إيران

مشهدٌ آخر في مسرحية الابتذال السياسي السائدة في النظام الدولي المعاصر، تُخرجها هذه المرة القيادة السياسية الإيرانية. ولئن كانت القيادة، تلك، متمرسةً في مثل هذه القضايا، خاصةً في العقد الأخير من الزمان، فإن المشهد الجديد يضرب رقماً قياسياً جديداً لحجم الانتهازية الكامن فيه، ودرجةً غير مسبوقة من فقدان ماء الوجه، وتجاهلاً لمستوى التضارب والنفاق الكامنين في تلك الممارسة.

يوم الثلاثاء الماضي، نقلت وكالة رويترز للأنباء عن محكمة العدل الدولية أن «إيران رفعت دعوى ضد الولايات المتحدة» تتعلق بانسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي المشهور. مكمن المفارقة الأول، ومؤشر الابتذال الأبرز في الموضوع، أن النظام الإيراني رفع الدعوى على أساسٍ قانوني يَعتبر الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي خرقاً لـ «معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية» بين أمريكا وإيران! نعم، مَن فعلَ ذلك هو النظام السياسي الذي يستعرض نفسه أمام شعبه، وأمام العرب والمسلمين والعالم بأسره، منذ قيامِهِ، على أنه العدو الأول لأمريكا، التي يُسميها مسؤولوهُ وقتَ الحاجة «الشيطان الأكبر».


حسناً. هاهي إيران تذكّر العالم بأسره أن ثمة معاهدة صداقة بينها وبين «الشيطان الأكبر». وما يستنتجه أي إنسان، منطقياً، مِن رفع الدعوى على هذا الأساس هو أن نظامها السياسي (زعلان) من أمريكا، التي يُفترض أن تكون حسب المعاهدة «صديقة». ولهذا، «عارٌ عليها» أن تفعل ذلك بأصدقائها، وتخرق المعاهدة المذكورة.

نعلم تماماً بإمكانية تقديم هذه الوقاحة على أنها (مهارةٌ سياسية)، خاصةً من قبل أبواق إيران الإعلامية الكثيرة. لكن هذا لايغير شيئاً في الاستنتاج المنطقي السابق. أكثرُ من هذا، يُظهرُ استقراءُ المشهد وجود مفارقات أخرى تُكمل دلالات الابتذال السياسي الذي بلغهُ النظام الإيراني، في مسيرته المُستعِرة، لتحقيق أهدافه السياسية بتوظيف الأيديولوجيا، وبغض النظر عن التناقضات الهائلة بين أسس تلك الأيديولوجيا (الطُهورية) وبين الممارسات العملية للنظام. مع تجاهلٍ كامل لما في الموضوع كله من براغماتية انتهازية واضحة. لماذا؟


لأن المعاهدة المذكورة أُبرمت بين إيران وأمريكا عام ١٩٥٥، أي أيام حكم الشاه الإيراني الذي يُفترض أن ما يُسمى « الثورة الإسلامية في إيران» قامَت، منذ أربعة عقود، عليه وعلى سياساته، وفي مقدمتها العلاقة مع أمريكا. بشيءٍ من المنطق الفطري، مرةً أخرى، رفعُ الدعوى بناءً على الأساس المذكور لايُذكّرُنا فقط أن النظام الإيراني (نسيَ)، لسببٍ أو لآخر، وجود المعاهدة على مدى العقود تلك، ولم يقم بإلغائها.. بل إن الممارسة تعني، منطقياً، أن ما فعله الشاه كان أمراً صائباً، بدلالة أن خرق المعاهدة من قبل الطرف الآخر، أمريكا، يُعتبر خطيئةً، في رأي النظام الإيراني نفسه، تستوجب المساءلة القانونية، وأمام أكبر هيئةٍ قضائيةٍ دوليةٍ في العالم؟!

لاتكفي كل علامات الاستفهام والتعجب للتعبير عن الابتذال الكامن في هذه الممارسة. سيما إذا استحضرنا تصريحات عنترية، لاتكاد تُحصى، لأركان النظام الإيراني تتوعدُ أمريكا بالويل والثبور إذا انسحبت من الاتفاق، قبل أن يحصل ذلك، ثم بعد أن انسحبت منه. فمن محسن رضائي، الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام الذي قال مخاطباً ترامب: «احذر أيها المجنون لأن لديك أكثر من ٥٠ ألف عسكري في مرمى رصاص إيران»! وصولاً إلى تصريحات القائد الأعلى العتيد، علي خامنئي، التي قال فيها: «لا يمكن أبداً الوثوق بالأمريكيين. نحن لا نعبأ مطلقاً بتهديداتهم وعقوباتهم». لكن المفاجأة تكمن في تصريحات الرئيس، روحاني، الذي قُدم للعالم على أنه نموذج الاعتدال في النظام الإيراني. فالرجل يبدو متشنجاً أكثر من غيره، وذلك حين يتحدث عن أمريكا خلال الأزمة الأخيرة بالشكل التالي في تصريحات متفرقة خلال الأزمة نضرب مثالاً عليها: «الولايات المتحدة ستندم ندماً تاريخياً إذا ما خرجت من الاتفاق النووي».

لكن المشكلة تكمن في أن تصرفات النظام الإيراني تبدو متسقةً مع ماهو سائدٌ في النظام السياسي الدولي الراهن، حيث يظهر الابتذال سيدَ الموقف في أكثر من مجال. على سبيل المثال، تزامن مع توقيت رفع الدعوى الإيرانية ظهورُ تصريحات روسية، وأخرى لستيفان ديمستورا، المبعوث الأممي للملف السوري. وفي حين أكد الأخير، فجأةً، على تواجد عشرة آلاف إرهابي في محافظة إدلب السورية! ركز الروس على تحذير الغرب من التدخل في أي معركةٍ قادمة هناك. هكذا، تبدو التصريحات المذكورة تمهيداً لبدء معركة إدلب في سوريا، حيث يجري التحضير لمذبحةٍ جديدة في هذا البلد العربي، أمام أبصار العالم بأسره. وتشارك فيها، كالعادة، ميليشيات مسلحة إيرانية أو مدعومة من النظام الإيراني نفسه، الذي يقاتل (الإمبريالية) الأمريكية في سوريا وغيرها في المنطقة، بينما يشتكي عليها في لاهاي عاتباً على حكومتها التنكُّر لصداقةٍ عمرها عقود.

هل يعتقد النظام الإيراني حقاً أن مثل تلك الممارسات يمكن أن تمر مرور الكرام على الشعب الإيراني، وعلى العرب والمسلمين الذين يغازلهم و(يراهن) على دعمهم بمقولة محاربة الشيطان الأكبر؟ أغلب الظن أنه يعتقد ذلك، ومعه كل أطراف النظام الدولي التي دخلت في منطق الابتذال السياسي العالمي الراهن. يصرُّ هؤلاء على المضي بهذا العالم إلى حافة الهاوية، ودخوله نفق الفوضى الشاملة، بسبب إصرارهم على تجاهل قوانين الاجتماع البشري ومعاندتها، وعلى تجنب قراءة التاريخ والاستفادة من تجاربه ودروسه، وعلى الهروب من (وقائع) ذات تأثيرٍ حاسم، ولو كان تدريجياً، في تشكيل أسباب انفجارات لم تحصل في تاريخ الإنسانية فجأةً ودون تراكمات اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية. وتلك وقائع تحدث عنها أحد مؤرخي اليونان قائلاً: «الوقائع كائنات مقدسة، تُمارس انتقاماً بشعاً ممن يتظاهر أنها غير موجودة».

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»